خالد محمود : “لهذا نعارض حسنين هيكل “

4554

استقبل كثيرون من اصدقاءنا  فكرة الكتابة سلبا عن الراحل الموهوب محمد حسنين هيكل بنوع من عدم الارتياح ، ربما لأننا ابناء ثقافة ” اذكروا محاسن موتاكم”، أو ربما من باب أن “من الخسة الكتابة عن غائب”  لايملك حق الدفاع عن نفسه ، أو ربما ايضا من نافذة “من أنتم؟؟” –ذائعة الانتشار حاليا في الوطن العربي ، والتي ترى ان هيكل واحدا من آلهة الأوليمب (والعياذ بالله)، وأن الاقتراب منه ومن افكاره أو تلميحاته  ..لايليق الا بالسادة كهنته وسدنته ، او القادمين لتبجيله.
والحق أن معارضة هيكل انتقلت تماما من  منطقة “شخصه ومقامه” والمستوى الذاتي لتناوله، الى منطقة التأثير الموضوعي لرؤاه ومسيرته على الواقع السياسي لبلادناومستقبلها  ، وهذا وحده الذي يدفعنا  للاقتراب من منطقته.
فمجنون هذا ، ويستحق جناح بدورين في مستشفى العباسية ، من يتصور انه يمكن ان يشكك في موهبة هيكل الاستثنائية وثقافته العميقة ومعارفه الواسعة، أو كونه الصحفي الاهم في عالمنا العربي بل وربما في عالمنا كله (لأنه حتى بوب وورد اوسيمور هيرش مثلا حققوا نجاحات اهم لكنها  خاطفة وقليلة )  او ان يشكك حتى في علمه السياسي أو من فرادة  مسيرته التي سيقف عندها التاريخ، لكن كل هذا لايعفيه ولايعفينا من انتقاد (موقفه) و(موقعه) من حراك شعبه وقضاياه خصوصا في اللحظات التي تتعارض فيها مع دولاب الحك) ،
من يقول لنا أن هيكل كان (موهوب عصره) ، نقول لهم ، وهنري كيسنجر كان ايضا فلتة زمانه في السياسة ، وبريجنسكي ولوبدرجة اقل كان في مرتبة مقاربة، ومترنيخ-قبلهم- كان العبقري والداهية والسياسي الاعظم ، والذي سمي العهد من 1815 -1848-باسمه، في الكتابات (البرجوازية) ، لكن هذا لايعني انه ليس لنا الحق في أن نقول ان كل هذه الاسماء من حيث الموقع كانت في الضفة الاخرى من مصالح الشعوب..
لم يكن الصحفي الموهوب محمد حسنين هيكل بالطبع في مربع (كيسنجر ومترنيخ) الذين هندسوا لقمع الثورات والشعوب بلارحمة وبفجاجة  فالفارق لاشك بعيد جدا  ، لكنه كان من مدرستهم ولوانتسابا ، مدرسة ان السياسة هي فضاءات البلاطات ومؤامرات القصور ورسائل الامراء والملوك وليس حراك  وانتفاضات وثورات الشعوب .
كان هيكل مع “الملكية وفاروق” في اللحظة التي كان الشعب كله مع اللجنة الوطنية للطلبة والعمال ومع الوفد ومع الحركة الشعبية، وكان مع “اخبار اليوم” جريدة القصر  ..بينما كان شباب الوطن مع المنشورات ، كان مع العسكر والديكتاتورية والاستبداد والدولة بوصفها آالة القمع ولم يكن لحظة مع الحريات والديمقراطية بينما كان الشعب ومختلف قواه السياسية تتلظى بنيران الديكتاتوريات المتتالية ، رفعت روزا اليوسف شعار (حرية الصحافة) وقالت لعبد الناصر في خطاب  سيكتبه التاريخ بحروف من ذهب ( لو دهست هذه الحرية لانتهى كل شيء)  ، ورفع هو شعار (تطهير الصحافة) الغوغائي لاخراس الاصوات وتصفية الحسابات –وهكذا.
بعبارة أخرى ، لم يكن هيكل يوما معنا، واقصد ب(معنا) دون قطيعية أو غموض ، الحركة الشعبية او الحركة الوطنية ايا ما كان المسمى، اذ كان دوما –مع السلطة –مع مصنع القرارالغاشم  –امع الدولة الخشنة ، وكنا طوال الوقت نعثر عليه في مناطق ملتبسة ومريبة ،  مهما “حنجر” هو وكهنته في تبريرها لن يقنعنا منطقه.
فنحن لن تقنعنا رحلته الغامضة الامريكية في اكتوبر 1953 بحجة تغطية الانتخابات الامريكية والتي تكشف لنا لاحقا انه كان يقود أول مفاوضات سرية بين نظام يوليو 1952 واسرائيل، ولن يقنعنا مقالة (تحية للرجال) الذي مارس فيه تيئيسا منظما لشعب يحلم بتحرير ارضه من اسرائيل، ولا تقنعنا روايته في قضية مصطفى امين التي كانت لعبة سياسية  هو ذاته طرف فيها لفتح بوابات خلفية مع امريكا ، ولايقنعنا موقفه من دعم السادات (منفذ مهمة اعادة مصر الى الغرب) ضد خصومه ، ولانفهم سكوته الطويل الطويل على كل هذا السجل في قمع الحريات في مصر اعتقالا وتعذيبا وسحلا  وتشريدا ونحن نعلم انه كان يحكم -لا كان يكتب ، بل كان يحكم بما كان يكتب.
لهذه الاسباب فان معارضة هيكل اصبحت ” فرض عين” لا ” فرض كفاية” لكل راغب في عودة الوعي  وازالة كل تضليل وتضبيب ، ، واصبح نقده -اي نقد هيكل -جزءا من تشريح الاستبداد ، سواءا تواطئا على وجوده او تفننا في تبريره .
سببا آخر لضرورة معارضة هيكل هو ان الصحفي  الراحل  –رحم الله الجميع  -هو انه  حول نفسه-او حوله  تلاميذه المتحققين بالاندماج فيه – خصوصا في السنوات الاخيرة الى (ارسطوطاليس ) جديد ، يكتب المقال او يجري الحوار في المساء ، فلا تجد في الصباح الاتقريظات وشروحات الى تلميحاته واشاراته ،يملأون صحفنا بعبارات من نوع ،  كان”ا لاستاذ” يقصد هنا-لقد كان “الاستاذ”  يعني هناك) .
لقد وصلت  الفتشية (الصنمية) الى ان التلاميذ اصبجوا يكتبون شهادة ميلادهم ويشتقون شرعية  ووجودهم فيي المشهد  الصحفي والسياسي ،  بصورة معه او كلمة منه او تلميحة له ، حتى اصبح نقد هيكل –شئنا ام ابينا مهمة انقاذ للحاسة النقدية والصحفية وجزء من تحرير العقل السياسي في مصر و حقه ان يقول نعم ولا  ،  بعد ان نسي الجميع او كاد حقيقة  ان صعود الصحفي في نهاية المطاف –مهما كانت عبقريته  . ليست  عملية  مجردة كتفوق الطبيب او المخترع او حتى الروائي-  وانما تتم بمشاركة اجهزة وقوى وجماعات تنفذ وقوى –مرئية او غير مرئية
ان جميعنا يتذكر  الشاب الذي كان يعمل مصورا سينمائيا لستالين ،حين  عادت اليه روحه المستلبة وتخلص من اثير البروباجندا وفتح عينه على الحقيقة بعد موت (الزعيم) لانه لم يجد (هيكل) او طاغية فكري يواصل معه التضليل رغم سقوط الشمولية، اما في وضعنا فلدينا  “الطاغية الفكري” الذي  يكمل حق منع  الروح في التملص والفرفره.
لذا سقطت شمولياتهم وبقيت شمولياتنا.
نحن هكذا نعارض هيكل لاننا فقط نحلم بحريتنا ، ومهمتنا عسيرة لاننا نسعى الى تكوين “معارضة محترمة ” للرجل الظاهرة ، وسط امواج من التيارات التي تخلط الاوراق.
فهناك من يعارضون هيكل لمواقفه التاريخية ضد السعودية (لانقول ضد الرجعية العربية فالرجل كان متيما بقطر) ، وبالتاكيد لابد لان نتمايز عنهم.
وهناك من كانوا يعارضون هيكل من داخل السلطة “السيساوية” لصراعات تخص اجنحة او لتضبيطه اولتشذيبه ..
وهناك من  كانوا يعارضون هيكل لخلفية مباركية امتداد لما كان بينهما من شد وجذب .
وهناك من عارضوا  هيكل من كبار الصحفيين (موسى صبري مثلا) –وهم على كامل ارضيته –حلما  بمنافسة تكاد شروطها تكون مستحيلة
وهناك من يعارضون هيكل من باب” الفرقعة” و”الفلاشية”  ولايعنيهم تكوين وعي او بذل جهد في تمحيص وقائع وتقديم كتابة موثقة او ذات رؤيه
وهناك اخيرا اشقاءنا من جماعة الاخوان (المحظورة) وانصار الاسلام السياسي من الذين لايرون هيكل والدنيا كلها –وهذا قدرهم وظروفهم- الامن نافذة” رابعة والانقلاب والانقلابيين “.
نحن لسنا من كل هؤلاء –او على الاقل نحاول- ونعرف ان التمايز عنهم مهمة لاتقل صعوبة عن الكتابة النقدية او الانتقادية عنه .
نحن نحلم ما امكننا ان نكون رافدا في وجدان عام يقول ان هيكل كان ظاهرة فذة (لكن كان لها ملابساتها الذاتية والموضوعية) ، وكلن بشرا مثلنا، وانه –وان الواقع السياسي البشع الذي  عاشه ويعيشه شعبنا  لم يكن منفصلا عن صناع بشعين انجزوه وفلسفوه وبرروه وساهموا في استمراره ..ولم يهبط علينا من السماء ، وان العبقري السياسي الحقيقي في هذا البلد … لامن كان في هرم السلطة  في اي مراحلها يؤذن لها ويبارك  فعالها  ، بل هو كل من ساهم – ويساهم في نفي هذا الواقع السياسي  المخزي  والموروث جزئيا و الذي لامثيل لانحطاطه على الارض  وتغييره  ..بيده او بلسانه او بقليه ..وذلك اضعف الايمان

تعليق واحد

  1. الرقي في الراي والنقد :
    احسب اني لا اتجاوز ولا اجامل اذا قلت ان كاتب المقال الاستاذ الزميل خالد محمود يستحق تحية صادقة وكبيرة مني ومن مظم من طالع المقال الذي نجح من خلاله في ايصال الرسالة التي يريدها وهي ضرورة التزام الرقي في النقد والتحضر في التناول والفصيل بين ما هو شخصي ونهج وطريق مهني وكفاءة مهنية احترافية الى حد الاستاذية ووتجربة مشبعة بفكر سياسي عميق ومعلومات غزيرة متدفقة يعززها بئر من الاسرار اتيح للراحل المغفور له هيكل حفره او الحصول عليه او امتلاكه بسبب ظروف صادفته وصادقته دون غير …. كان اسلوب خالد محمود حاذقا وجذابا في الزام الدقة والابتعاد ن التهجم والتجريح والسب والتعريض الى يدفعني _ وانا من محبي الراحل هيكل واشد مريديه ومعجبيه – الى ابداء الاحترام الميق للصحفي المثقف المتمكن من ادواته خالد محمود … تحية مجددا على هذا القال الجميل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*