الخصائص التشريحية للإنسان المصري القديم

unnamed

د/ نزيه سليمان
إن الحياة لاتدوم كثيرا، بينما تتراكم الحضارات والمعارف وتبقى كثيرا بعد وفاة اصحابها، فما يصنعه المرء في حياته هو مايخلد ذكراه بعد الموت، ومن ترك لنفسه وارثاً حملت ذكراه الاسماء والملامح، فلا يعدو الذئب إلا على شاةٍ قاصية، وكلُ ذي ماضيٍ عتيق، إنما هي الايام تلقي بنا افواجاً تعقب افواجاً بينما تتناقل الخلايا وتورث فكأنك تنظر الى الماضي البعيد فتقول “ما اشبه اليوم بالبارحة وما ابعده عنها”.
…………………..
وفي حرب ضروس يقودها اصحاب المصالح الشخصية والمشككين ومروجي الاشاعات يدعي البعض ان اصل بناة حضارتنا الخالده كانوا يهودا .. او سودا … او من قوم عاد…. او نوبيين او غيرهم.. حتى ادعى البعض من مرضى العقول ان بناة تلك الحضارة من كوكب خارجي وليسوا ارضيين ؟؟ فكان لزاما علينا أن نقدم بحث تشريحياً كاملاً عن اصل الانسان المصري القديم وخصائصة التشريحية من خلال دراسة المومياوات والبقايا العظيمة
………………….
الجنس البشري المصري، واحد من اقدم أجناس الأرض، ولاجدل في أن الأنسان المصري يسبق فجر التاريخ المكتوب بقرون، ولكن من المُسلم به أن مصر ليست منشأ الأنسان الأول على الأرض، فلابد وأن هذا الأنسان جاء مهاجرا لها من اجزاء أخرى من الكوكب، والسؤال الذي يطرح نفسه دائما من أين جاء السكان وما هو أصل الجنس البشري المصري؟؟
………………..
ظهر الإنسان في مصر في عصر البلايستوسين في العصر المطير على اقل تقدير، ومنذ أوائل العصر الحجري القديم وتظهر مصر كجزء معمور بجماعات بشرية تسكن في مناطق مختلفة من الوادي، وهذا ما تبرهن عليه الأدوات الحجرية وبقايا المساكن التي تركتها تلك الجماعات البشرية، وإن جهلة الناحية الأنثربيولوجية لهذه الجماعات التي لم نعثر لها للأسف على بقايا جثمانية أو جماجم تبين الحالة التشريحية والوصف الأنثربيولوجي لها، وأقل ما يمكن أن يقال في هذه الناحية من قبيل التنظير والتوقعات والتكهنات العلمية، ولا تتكاثر البقايا الجثمانية للأسف إلا في العصور التاريخية، أي حيث يصعب تحديد الأصول الأولى للسكان والسلالة البشرية بدقة، وكذلك أختلاف العلماء في تحديد أصل السلالة البشرية المصرية اختلاف يصعب توحيده أو التوفيق بين النظريات للوصول لأصل واحد أو مختلط للسلالة البشرية المصرية، مما يعني أنه يصعب تحديد أصل الجنس المصري في عصور ما قبل التاريخ أو ما يسمى عصر تكوين السلالات، أو فترة تكوين الأجناس، إذ تتكاثر النظريات المتعارضة مع قلة الأدلة اليقينية، فثمة أصل بشري يحاول العلماء نسب المصري الأول له مثل (البوشمن والزنوج والليبيون و الأسيويون والهلينيون والبلقان…الخ).
………………………..……………
وهناك فرق كبير من أن يتسرب دم من جنس من هذه الأجناس إلى السلالة المصرية وأن يكون هذا الجنس هو أصل السلالة المصرية نفسها.
ولكن من الطبيعي أن مصر في بداية العمر البشري بها قد وفد إليها العديد من الجماعات البشرية لتتوطن فيها، وقد حدث تزاوج وإندماج بين هذه الجماعات التي نزلت أرض النيل، ولكن ما يقال عن أصل هذه الجماعات لاينطبق على الحضارة الفرعونية نفسها، التي بنيت بأيدي السلالة البشرية التي نتجت عن اختلاط الجماعات البشرية المهاجرة إلى أرض النيل، بعد إندماجها فيما بينها وإختلاطها بالطبيعة المصرية، التي أثرت بالطبع في أفكارهم ومعتقدتهم واعمالهم، ولكن ماذا عن هذه الجماعات؟؟
…………………………………
الجنس البشري المصري في العصر الحجري القديم:
يرى البعض أن أصل السلالة المصرية في العصر الحجري تنحدر من نفس الجنس الذي تنحدر منه سلالات شمال افريقيا جميعا في ذلك الوقت، وهو الجنس الأورافريقي(الحامي)، الذي يعد الجد الأعلى لشعوب البحر المتوسط، ورغم أن هذا الجنس لم يخلو من الإختلاط بالزنوج، إلا أن السلالة التي جاءت إلى مصر كانت حامية خالصة، ولم تختلط بالزنوج، على أنه في العصر الحجري القديم الأعلى يمثل السبيليون الذين يسكنون في جنوب الوادي نمطاً من شعوب البحر المتوسط، وبشكل أوضح يمكن القول أن الأنسان المصري في العصر الحجري القديم كان يتكون من العنصر الحامي ممتزج بجنس شعوب البحر المتوسط، وكان جنس البحر المتوسط متعمقا ومنتشراً في الدلتا أكثر منه في الجنوب، وفي نهاية العصر الحجري القديم ومع تزايد الجفاف في الصحراء الكبرى هاجرت بعد الجماعات التي كانت تقطن هذه المنطقة إلى مصر الوسطى، كا اتجهات جمعات من الصحراوين إلى جنوب مصر، وبذلك أضيف دم جديد لسلالة البشرية في مصر وبشكل كبير في الجنوب عنه في الشمال.
………………………………….
الجنس البشري المصري في العصر الحجري الحديث وعصر ماقبل الأسرات:
في العصر الحجري الحديث ترك الإنسان بقاياه الحضارية والعظمية، والتي تدل على كثير من تفاصيله الأنثربيولوجية، وبتتبع البقايا العظمية للأنسان في مصر خلال العصر الحجري الحديث نجد مجموعة من السلالات البشرية النقية أو الممتزجه مع سلالة أخرى، بعض هذه السلالات زال وانتهى عن طريق الهجرات، وللتبع التفاصيل الأنثربيولوجية خلال العصر الحجري الحديث نجدها كالآتي:
………………………….
أ- السكان في تاسا بالجنوب: التفاصيل العظمية تعطي قليلاً من عرض الأنف، وبروز خفيف في الفك، وتعطي إنتماءً لجنس قوقازي أبيض البشرة، شبية بتلك الأجناس التي عاشت في الجزائر غربا وفلسطين شرقا في العصر الجري القديم، فهل كان التاسيون حلقة النقل بين الغرب والشام في ذلك العصر؟؟ ربما كان ذلك، وسلالة التاسيون هذه يبدوا أنها قد زالت من مصر وانتهت في نهاية العصر الحجري الحديث.
…………………………
ب- سكان مرمدة بني سلامة والفيوم: تعطي التفاصيل العظمية لأصحاب الحضارتين تشابة بشرياً كبيراً لجنس ينتمي إلى الشمال، وتشير بقاياهم العظمية إلى رؤس طويلة، أطول من رؤس المصريين في عصر بداية الأسرات.
…………………………………..
جـ – سكان البداري في الجنوب:
يتضح الأثر الزنجي في سكان البداري بصورةٍ ما، فالأنفُ عريض كثيراً، مع بروزٍ كبيرٍ في الفك، مع إن الجزم غير ممكن بهذا الأمر، فالشعر غير زنجي فهو مموج خشن، وأسود قاتم، والبشرة بيضاء، ويمكن أن يكون البداريون موجه حامية مبكرة هاجرت من منابع النيل في الحبشة إلى مصر، ومن الواضح أن سكان البداريون ذات صلة بالسلالة المصرية فيما قبل الأسرات.
…………………………………
د- سكان نقادة:
نقادة أول سلالة ما قبيل الأسرات، والنقاديون متشابهون كثيراً مع أهل البداري في عدة جوانب، وإن إختلفوا في جوانب أخرى، مما يجعلهم جماعتين مختلفتين من أصول مترابطة ومتقاربة، فأهل نقادة أطول من أهل البداري، مع انف أضيق، وبروز أقل في الفك، أما الرأس فطويل وغير عريض.
………………………………………
هـ – ما قبيل الأسرات:
تشير الأبحاث التي اجريت على البقايا العظمية في حلون ، تشير إلى الآتي:
أولاً:
1- 90% من السكان طوال الرأس.
2- 10% من السكان فقط برؤس عريضة.
ثانياً:
1- 60% السكان ينتمون إلى الجنس الحامي.
2- يشير ثلث السكان تقريبا إلى أصول أفريقية خالصة من الأثر الزنجي.
3- ويشير ربع السكان تقريباً إلى أصول افريقية متزنجة، ونحو الخمس إلى أصول متوسطية و العشر إلى أصول من الشرق الأوسط.
…………………………………………..
والخلاصة:
إن الغالبية العظمى من السكان (حاميين) تتكون من أصول افريقيا البيضاء والبحر المتوسط، أضيفت إليها عناصر ثانوية من أفريقيا السوداء (متزنجة)، والجنس الهندو-اوربي.
…………………………………….
الجنس البشري في مصر الفرعونية:
إذا كان هذا عن المصريون في العصور التي سبقت التاريخ، فماذا عن الأجناس التي بنت الحضارة المصرية القديمة.
……………………………………
سلالة عصر بداية الأسرات:
ثمة شيء لابد من يتفق عليه قبل الحديث عن هذه السلالة، التي لها الفضل العظيم على حضارات العالم القديم والحديث:
1- المصريون (أصحاب الحضارة الفرعونية) شعب أصيل في مصر ولم يفدوا إليها من مكان أخرى.
2- المصريون الأصليون يبدأون الحضارة وهما شعب متجانس تجانس تماما في الصفات والتركيب.
3- إحتمالات الإختلاط الجنسي (امتزاج جنس بشري بجنس أخر) قلٌت بصورة كبيرة منذ بداية عصر الأسرات.
وتختلف ارآء العلماء في تحديد هذا الأصل البشري إلى عدة نظريات أهمها
…………………………………..
1- أن هذا الأصل نشأ من جنس نقي واحد
2- أن هذا الأصل نشأ من اختلاط وتعدد الأصول الجنسية التي دخلت في تكوين هذا الأصل، وقد امتزجت هذه الأصول وإندمجت حتى كونت هذا الأصل.
…………………………………….
والرأي السائد بين الأنثربيولوجيين هو رآي سليجمان، وهو إن أصل المصريون هو الجنس الحامي الشرقي، الذي انتشر في شمال افريقيا في العصور الحجرية.
وإن لم يخلو هذا الجنس البشري من الإختلاط مع غيره من الأجناس، وإن كان التأثير السائد والصفات الغالبة جميعها للجنس الحامي، مع عدم إغفال للصفات الجنسيه الأخرى للزنوج والأريين وشعوب البحر المتوسط.
………………………………………………………..
سلالة عصر الأسرات الفرعونية:
ومن سلالة ما قبل الأسرات انبثقت السلالة المصرية في عصر الأسرات، فهي إمتداد لها في الصفات الجسمية، ولقد ترك لنا المصريون في عصر الأسرات متاحفاً من البقايا العظيمة والجسدية الكاملة التي تعطينا صورة واضحة لصفات الأنثربيولوجية للمصريين في تلك الفترة، ساعد على بقاء تلك الهياكل والأجساد براعة المصريين في فن التحنيط، وعادات الدفن عندهم، وكذلك جفاف البيئة المصرية خاصة في الصحروان والذي ساهم في الحفاظ على هذه الأجساد بصورة سليمة، وإلى جانب تلك الأجسام البشرية والهياكل العظمية ترك لنا المصري القديم صورة كاملة لصفاتهم الجسدية تتبلور هذه الصورة بوضوح في الاف التماثيل والمناظر والرسوم التي تعطينا فكرة عن تركيبهم الأنثربيولوجي، ومن خلال تلك البقايا الجسدية والعظمية، والتماثيل والرسوم تظهر مجموعة من الحقائق العلمية الثابته وهي:
……………………………………….
1- كان النمط الجسدي السائد في مصر في تلك الفترات هو النحيف المعروق Wiry ذو الحوض الضيق، والأقدام والأيدي الصغيرة نوعاً ما، مع الرأس والوجه الإنسيابي، البديع الشكل، مع لون بشرة قمحي عبرت عنه الرسوم، وذلك شعر أسود أو بني داكن للجنسين، وعينان بنيان دائماً.

2- هناك بعض الحالات الشاذه في بعض الفترات، فمثلا نجد الرسوم تمثل أبنة الملك خوفو بشعر أصفر محمر، والبشرة بيضاء، قد يكون ذلك راجع إلى أصول غير مصرية مثلاً ليبية تسربت إلى العائلة المالكة، وهذا يدل على تسرب دماء أجنبية إلى مصر على الأقل في الأسرات المالكة، وقد استمر هذا التسرب خلال التاريخ المصري مع زيادة ملحوظة خاصة بعد نهاية الدولة الوسطى.
3- في عصر بناء الأهرامات تدل الرسوم والبقايا الجسدية على تكور في التكوين الأنثربيولوجي للسكان، بحيث يصبح السائد بين السكان عنصر أعرض وأضخم بنية، وذو جماجم عريضة ومنتفخة، ووجه أعرض وفك أشد وأغلظ، وأخذت هذه الصفات تنتشر من الشمال إلى الجنوب حتى بلغت النوبة في عهد الدولة الوسطى، وابلغ مثال على هذا النمط تمثال شيخ البلد المعروف، والذي يمثل هذا النمط الجسدي بصورة واضحة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*