د .فهمي عبدالسلام يكتب : تصادقت مع أمل دنقل اثر “خناقة” مع فتاة ..وقصة عدوانيته أكذوبة مثقفين

unnamed (1)

كتب خالد الكرنكاوي .

يكشف الكاتب والمثقف د فهمي عبد السلام في كتاب جديد عنوانه “من ذكريات الغرفة 8”  تفاصيل  غير معروفة في  حياة الشاعر الراحل الكبير  امل دنقل  وذكريات جمعتههما فيظل احداث مفصلية شهدها الوطن. وقد اختص د .فهمي عبد السلام مشكورا  “بوابة الجنوبي الالكترونية ” بالفصل الأول  من الكتاب الذي يضيف صفحة جديدة في  معرفةوتوثيق حياة أمير شعراء الرفض والتمرد والتي تمثل اضافة لابداعاته  صفحة مهمة في تاريخ الوجدان والثقافة العربية.

——————————————————————————————————-

ذكريات الغرفة 8

د. فهمي عبد السلام

الفصل الأول

لا أدرى كيف ابدأ في الكتابةعن ذكرياتي مع أمل دنقل , وقد اسعدني الحظ بأن حظيت بصداقته لمدة عشر سنوات..

عشر سنوات ، كنت التقي وأمل كل يوم . ومن خلاله توطدت علاقتي بالوسط الثقافي والأدبي . ولا بد أن أعترف أنني سمعت الكثير عن عدوانية أمل وعن شراسته. ولكنني أزعم وأؤكد أنه كان عكس مايقولون . وجدته رقيقا جميلا فارسا نبيلا محبا للناس وللحياة. ولهذا قررت ان اكتب عن النواحي الشخصية لشاعرنا كما عرفته . فالقصائد لها النقاد , أما الإنسان فقد شعرت أن واجب الصداقة يحتم علي أن ألقي بعض الأضواء علي النواحي التي عرفتها بنفسي عنه. ولهذا كتبت هذا العمل , لتصحيح هذه الفكرة ,بصفة خاصة عند الشباب الذين أحبوا شعره ، وتألموا من القصص المروية عن عدوانيته المزعومة. فهم لم يعايشوا أمل ، ونقلت لهم صورة مغلوطة عن الشاعر الراحل والآن علينا ان نبدأ. وخير بداية في اعتقادي هيى كيف تعارفنا.

في صيف 73  انتهيت من امتحان البكالوريوس , وإعتدت أن أمضي الأمسيات[آنذاك] في كافيتريا ” سوق الحميدية ” القريبة من المنزل . وكنت وحيدا ولتزجية الوقت كنت أقضي الليالي أسترق السمع إلي مناقشات تدور هنا وهناك. كنت أري أمل, دون أن أعرفه.  ولم يكن لي وقتها إهتمامات بالشعر. إذ توقفت علاقتي بالثقافة عند قراءة القصص والروايات، أما الشعر فكنت بعيداً عنه.

في سوق الحميدية كنت  أراه بقامته الطويلة ومشيته التي تشي باعتداده الكبير بنفسه, إذ كان يسير رافع الرأس. وأراه وهو يجلس علي المقهي يحل الكلمات المتقاطعة، ويضع ساقا طويلة ورفيعة  علي ساقه الأخري، ويمسك بأصابعه الطويلة النحيلة بخصلات شعر السوالف الناعم،  يمسك بها ويلفها ثم يتركها ثم يمسكها ثم يلفها  وهكذا..

ذات ليلة  ، إستضفتُ “شلة ” مقهي وادي النيل  المطلة علي ميدان التحرير، إستضفتهم في “الحميدية “.وكانت شلة مقهي وادي النيل , مجموعة شباب- في مثل سني -من السويس، أصدقاء منذ طفولتهم حيث تزاملوافي الجوار والمدارس. وبعد النكسة غادروا السويس” كمهجرين والمخضرمون من أمثالي  يعرفون المحنة التي أصابت سكان مدن خط  القنال الثلاث ، السويس وبورسعيد والإسماعيلية، التي وتم تهجير سكانها بعد 67.  كان العدو الإسرائيلي قد أحتل سيناء، ومن  الضفة الأخري راح يعربد ويصلي تلك المدن بالقذائف والقنابل والنابالم.  وتقرر إخلاء المدن الثلاث من السكان. الأثرياء منهم   إستطاعوا تدبيرمسكنا لائقا لأنفسهم. أما الفقراء فقد تكفلت الدولة بهم فعاشوا محنة التشرد بعد ان تركوا ديارهم. إذ أسكنتهم الدولة في مراكز الشباب والأندية والمدارس في شتي محافظات مصر .

وكان شباب شلة وادي النيل “مهجرين من السويس، وجدت أسرهم  موطئ قدم أو ” خُرم ”  في القاهرة.  وقد توزعوا  في أرجائها وحواريها وأزقتها، إلا الأثرياء منهم،  وهم قلة، سكنوا في العجوزة وفي وسط البلد.  أما بقية الشلة كانت إقامتهم موزعة في شبرا الخيمة والزاوية وشعبيات مدينة نصر.  واعتادوا أن يلتقوا يوميا في مقهي وادي النيل..

وكان  سمير غطاس-السياسي المعروف- زميل دراسة –  من نفس  الكلية، وكان ” مهجرا” من مدينة السويس، وعن طريقه  تعرفت وصادقت شلة ” السوايسة”. كانت الشلة تضم السيد نصير وعادل بدرة وعلي العكرش وسعد علام ومتولي محمد متولي وحسن محرم وعبد الحميد الرشاش وعبده حافظ وسيد الهندي.

– تعرف من هذا ؟  هكذا سألني” السيد نصير” طالب الصيدلة  المثقف والوطني والهادئ الطباع.

– كلا إنني أراه علي المقهي ولكنني لا أعلم عنه شيئا .

– إنه أمل دنقل، واحد من أهم الأصوات الشعرية  الجديدة، وله ديوان مهم جدا هو ديوان ” البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ” .

ألم تكن  معنا في إعتصام 71 الشهير في ميدان التحرير؟

نعم  .. كنت في الإعتصام , لكنني لا أعرف ماذا تقصد  ؟

– أمل أمل دنقل له قصيدة جميلة اسمها ” أغنية الكعكة الحجرية ”

نشرها عن إعتصام الطلاب في التحرير.

ولعل شباب اليوم لا يعلمون أن ميدان التحرير الذي خلع مبارك في 25يناير 2011, شهد اعتصاما تاريخيا في يناير 72.  كانت إنتفاضة الطلبة الشهيرة ضد السادات قد إندلعت عندما قال أن عام 71 هو عام الحسم  وتحرير سيناء ، ولم يف بالوعد وألي خطابا شهيراً أعلن فيه أن ” الضباب” الناجم عن حرب الهند وباكستان، تسبب في تأجيل تحرير أرضنا،  وأنتفض3                                                                طلاب جامعة القاهرة وأعتصمنا أولاً في الجامعة , تحديدا في قاعة الإحتفالات الكبري , وبعد فض الإعتصام في جنح الظلام , إنتقلنا إلي ميدان التحرير .وهاج الرأي العام علي السادات. ووقع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهما من كبار كتابنا بيانا يؤيدون فيه مطالب الطلاب الوطنية.  وتململت مصر كلها من تردد السادات بشأن قرار الحرب. وكان الإعتصام ملهما لشاعرنا الكبير أمل دنقل في إبداع رائعته ” أغنية الكعكة الحجرية “.

وهي في ديوان ” العهد الآتي”بعنوان”سفر الخروج” (أغنية الكعكة الحجرية)

(الإصحاح الأول)

أيها الواقفون علي حافة المذبحة

أشْهروا الأسلحة!

سقط الموت…وانفَرَطَ القلبُ كالمسبحةْ

والدمُ انساب فوق الوشاح!

المنازلُ أضرحةٌ

والزنازنُ أضرحةٌ

والمدي..أضرحة

فارفعوا الأسلحة

واتبعوني!

أنا نَدَمُ الغدِ والبارحه

رايتي:عظمَتَان… وجُمْجُمَة..

وشعاري: الصباح!وفي ثورة 25 يناير ردد الثوار هذا المطلع البديع , يستنهضون بكلمات أمل الحماسية التي تفيض بالوطنية الجياشة روح الصمود والاحتشاد لخلع واحد  من أسوأ الحكام الذين مروا علي البلاد. بعد ما يقرب من أربعة عقود،  يعود أمل إلي الميدان بشعره وبوطنيته وبكلماته الخالدة.

وسأعود إلي صيف 73، وكيف تعرفت علي شاعرنا الكبير.

حتي تلك اللحظة كنت أري امل كل ليلة, دون أن أعرف عنه شيئا، ودون أن أعرف أنه شاعر شهير.  ولفت أمل نظري بإعتداده بنفسه ومشيته التي يميل فيها  إلي الخلف قليلا بنصفه الأعلي, ولم أهتم بما قاله السيد نصير , فالحميدية تعج بأشكال وألوان من الفنانين والكتاب والصحفيين … إلي آخره ، وإن كانت كلمات السيد نصيرقد أثارت قدرا من فضولي, فقد عرفت منه  أن أمل كان شاعرا أثبت وجوده بقصائده القوية , لدرجة ان لويس عوض – وهو من هو – كتب عن أمل صفحة كاملة في صحيفة الأهرام  في زمن محمد حسنين هيكل .

شعرت بالحيرة والتردد ,هل أتعرف عليه ؟, وهل أبادره و أقول له:  سمعت أنك شاعر مهم ؟ .أم أظل في حالي كما أنا متحاشيا أن أعرض نفسي للحرج ؟, وماذا إذا ما تعجرف او ” تنطط ” علي ! .                                                                                                           فتراجعت , وأحجمت , كي لا أسمع  مالا يسرني.  وبقيت أتطلع إليه من تحت إلي تحت،  بادلني نفس النظرات التحتية , حتي تحدثنا للمرة الأولي. وبعد عدة كلمات تبادلناها، مازلت، رغم السنوات الطويلة التي مرت على تلك الواقعة، مازلت احتفظ في ذاكرتي المتعبة بكل كلمة دارت بيننا. بعد تلك الكلمات توطدت بيننا صداقة حميمة. ومن ليلتها، لم تنقطع ما بيننا الكلمات والقفشات والسهرات لمدة عشرة أعوام.

سأروي لكم الآن تفاصيل ذلك اللقاء التاريخي مع أمل دنقل في تلك الليلة الصيفية التاريخية ,التي أدين لها بالكثير وبالكثير من المعاني .

كنت أجلس علي الحميدية كالعادة ,وأمل يجلس علي مائدة أخري علي الرصيف وحيدا هو الآخر. وفجأة تعالت أصوات مشاجرة وشتائم وصياح.  فهرعت – من باب كسر الملل والفضول – إلي مصدر الأصوات، كانت المشاجرة في ممر ضيق يصل بين شارعي التحرير والبستان , وحينما دخلت إلي الممر اكتشفت انها مشاجرة في محل الكوافير ميتشو. وعندما وصلت كانت المشاجرة قد تحركت من الممر الضيق، ووصلت أمام مبني الفيللا الأنيقة والتي كانت تشغلها “شركة المحاريث والهندسة”.                                                                                                                                                                      أما المشاجرة نفسها فكان أحد طرفيها  فتاة في حدود التاسعة عشرة أو العشرين من عمرها، هي زبونة تصفف شعرها عند ميتشو،كانت الفتاة على قدر لا بأس به من الجمال، أما ملامحها وثيابها وطريقة حديثها كانت  تشي أنها من أصول شعبية، راحت الفتاة تصرخ وترفض أن تمضي مع شاب عشريني يدعي أنه خطيبها ويريد أن يصطحبها معه عنوة، والفتاة ترفض 4-                                                                                                                                                             وتقاوم.  وبالطبع  تدخل عدد كبير – من أولاد الحلال !!- منتصرين  طبعا  للفتاة التي وإن كانت في مشاجرة , إلا انها كانت مفعمة بالشقاوة  و ب “الليونة”.  ووجدت أمل دنقل يقف إلي جواري وسط حلقة كبيرة من المارة  الذين تحلقوا حول المشاجرة.

–              ماذا تريد مني انا لا أعرفك !! هل أنت ” ختشيبي ” – تقصد خطيبي ولكنها من فرط شعبيتها كانت تنطقها هكذا                                                                                                                                            – أنت لست ” ختشيبي ” , ولن تكون ” ختشيبي ” ماذا تريد مني أنا لا أعرفك وإبعد عني أحسن أجيب لك البوليس.  قال ” ختشيبي “قال!!! , ختشيبي ؟ولا ختشيبي  ولا ختشيبي !!

هكذا إنطلقت منها الكلمات كالمدفع الرشاش، وبالطبع أبدي المتحلقون حولهما  التعاطف الشديد مع الفتاة. وإنفضت المشاجرة، بصرف الشاب  صرفا غير جميل، وأسمعوه كلمات من نوع ” أنت لك إخوات بنات وكما تداين تدان , وروح لحالك يا كابتن, ولو خطيبتك إذهب لها في البيت .”                                                                                                وقفت  الفتاة  دقيقتين، تزفر وتنفخ وتطلق نظرات نارية في الأرجاء كلها وإنصرفت بعدها. وجدت نفسي وأمل واقفين وحدنا .

– لماذا لم تقم بها ؟ هكذا قال أمل موجها الحديث لي شعرت بالحيرة.

– كان من السهل جدا أن “تعلقها” …. هكذا أردف أمل   – لم  افكر في هذا الأمر

– واضح أنك خجول كنت خجولاً بالفعل وارتبكت من تلك الاستباحة المبكرة.

– ولماذا لم تعلقها أنت ؟ هل انت خجول ؟    – هأ … هأ  … هأ ….                                                                                                                                         ضحك امل ضحكته الجميلة

– لست خجولاً ولكنني أكبرها بما لا يقل عن ثلاثة عشر عاما,وربما أكثر، وأنت من سنها وأنت وسيم ووجيه  وهي لعوب. والشاب كانت مرتبطة به بعلاقة ما وهي التي” قلبته” وهو لا يريد أن يستسلم. لو بادرت وقلت لها أي كلام ,  لإنصرفت معك. … ما علينا ألن تعود إلي الحميدية ؟                                                                                              – سأعود

-حسنا  … هيا بنا في الحميدية جلسنا جلستنا الأولي

فصل من كتاب” من ذكريات الغرفة8″

نتيجة بحث الصور عن امل دنقل