مبادرة “وطن للجميع” : الاخوان يفاوضون الاخوان

14375316_10208550576135978_2119044569_o

 

استبشر فريق (واسع؟)  من الناس باطلاق جماعة الاخوان (المحظورة؟) مبادرة “وطن للجميع”، ليس من باب المصالحة المستهلكة اعلاميا، وانما من باب أن تسيد عقل ولغة ومنطوق  السياسة  على ماعداه هو مؤشر تطور ونضج  في خطاب “فريق في الجماعة ” ، وهو دوما كذلك في اكثر لحظات السياسة تناحرا .

فالجماعة منذ الثلاثين من يونيه ، بل والأدق منذ ولادة مقدماتها ، خاصمت السياسة وطلقتها بالثلاثة، وظلت تراقب التطورات المحيطة بها كما الديناصورات حين يتابع تآكل اطرافه ، ولاتفعل شيئا سوى ترك كل المشاركين في مصابها للخطابة باسمها في السرادق ، مع أن السياسة ، اي كان مبدأيتها ، هي لعبة شطرنجية قوتها في تجدد وتفاعل طرفيها  ، كما  ان الجماعة خلطت بين “السياسي ” و”الدعائي” ، وبدى كما لوكان خطاب دعايتها الذي تطلقه،  حشدا وتعبئة وتشهيرا ومواجهة لخصومها ، هو ذاته خطابها  السياسي  –فصدقته كما “جحا والوليمة” ، وكأن “معتز وناصر وزوبع” هم الذين يقودون الجماعة وليس العكس ، بل وبدت الجماعة ، بما هو أكثر من ذلك، “محتارة” بين خطها وخطتها ( التي بدت باهتة-وثابتة كلقطة في تلفزيون وقف ارساله) ، وبين مايردده حلفاءها المحليين ، ومنتفعيها ، وتوجهات قوى اقليمية مناوئة لنظام السيسي ، هذا طبعا غير مساحة من التطابق بينها وبين جمهور “رابعة-ومرسي لازم يرجع” –الحازم- اسماعيلي ، بعاطفاياته وحماقاته ،  ونزعات تشفيه ولاسياسيته .

بدت الجماعة مثقلة بهذا كله ، وبدى في مبادرة “وطن للجميع” التي عقدتها ورشة في واشنطن، وجود صوت مخنوق وسط هذا كله يسعى لأن يصل ، صوت يقر ويعرف أن أزمة الجماعة في عامها اليتيم ، لم تكن فقط مع “سلطة” ولا “عسكر ” و”انقلاب وانقلابيين”،( اقول  واذكر فقط) ،  وانما أيضا وقبلها وبعدها مع قطاع معتبر من المجتمع ومكوناته المختلفة  ، مع الآخر في المواطنة، مع دولة محمد علي الوطنية التي أحس المصريون انها (على كل عيوبها) هي صك وجودهم ، مع القوى السياسية المصرية ، مع الاقليم والعالم والجغرافيا والتاريخ،، ومع صفوف الجماعة ذاتها وبالتحديد  مع  من كل لديه حس نقدي ، وقبل مبدأ السمع والطاعة من قبيل ان المعركة الآن مع السلطة اومن منطلق  فقه الاولويات او ماشابه لكنه لم يؤمن به كانسان فر قرارة قلبه .

لقد جاءت مبادرة “وطن للجميع”  متجاوزة لكل ما سبقها من مبادرات ، جاءت تكسر لأول مرة اللغة الخشبية والمحفوظاتية للجماعة  ، وتتكلم في الموضوع مباشرة ، فتقول في المادة الثانية أن ” التعدد والتنوع يعني التعبير عن توجهات مختلفة واراء متنوعة ، والهوية المصرية الجامعة بطبقاتها المتنوعة هي العامل المشترك الموحد للشعب المصري ، ومن المهم اقرار وقبول هذا التنوع والتعدد والاختلاف  عن طريق آالية الحوار الفعالة وآلية  ديمقراطية  تضمن الحماية من ديكتاتورية الاغلبية والأقلية”،، هذه المادة (رغم كل صياغاتها المفتوحة) تحسم مدخل النقاش بين المجتمع والاخوان ، والاقباط والاخوان، والقوى السياسية والاجتماعية والاخوان ، وترتب ان صدقت النوايا لأفق جديد ،جاءت  بافق يقول فيه الاخوان(او فريق المبادرة)  اننا مؤمنون بوجود  الجميع حقا لا مناورة ، ويقدمون الدليل الفعلي  أن لعبة “الصندوق والمصحف ” لم تعد خيارا مفتوحا لقتل الديمقراطية من بوابة الديمقراطية.

كذلك يتكر الأمر نفسه في المادة الثالثةمن المبادرة  التي تقول ان “السيادة والسلطة الشرعية من الشعب وللشعب وحده   ، ويحكم العلاقة بين قواه المختلفة دستورة مدني ومبدا المساواة التامة  بين المواطنين”، وفي المادة الخامسة التي تقول ” الدولة لاهوية لها ولا مرجعية لها الامدنيتها ، ولامؤسسات دينية تابعة لها، بحيث لايتدخل الدين في الدولة ولاتتدخل الدولة في الدين ، وتصدر القوانين والممارسات على مسافة واحدة من جميع المواطنين اعمالا لمبدأ المساواة وعلى قاعدة المواطنة”، وهي  مواد تنهي قدرا كبيرا من المخاوف من فكرة الدولة الدينية بنسختها الداعشية أو الالتفافية ، وكل ما يهدد  فكرة الدولة الوطنية او المدنية او (العلمانية؟) او دولة المواطنة”.

لقد جاءت المبادرة تناقش الحكاية نفسها ، وليس خطاب البروباجندا حولها، ولا خطاب التشهير بالخصم نصف الحقيقي نصف المفبرك، تتوجه لتشخيص وطرح ما تراه لعلاجها،،  بما في ذلك مايستلزم من كلفته عليها ،،،، لكن  كانت المفاجأة أن  حملة الهجوم على المبادرة جاءت من قلب   الجماعة ذاتها  قبل أن يجف حبرها وبلغة   لاتنقصها الحدة  وليس من خصومها .

فقد  تنصل القيادي الاخواني والوزير السابق د أحمد دراج من المبادرة بعد دقائق من اطلاقها ووصفها بأنها “لعبة مخابراتية” ، بل وعاد دراج  يسخر من مواد “هوية الدولة المدنية-وعدم تخل الدولة في الدين” بتطرف يفوق حازم  اسماعيل في ايامه، وهاجمت عزة الجرف المبادرة واعتبرتها انبطاح للهيمنة الامريكية ، بل ووصل الأمر بالرجل الطيب سيف عبد الفتاح حين ابصر هوجة الهجوم قادمة أن يتبرا منها –وهو المشارك فيها – بحجة انه تم تسريبها اعلاميا قبل الأوان.

لقد اثار تبرؤ جماعة الاخوان من ذات المبادرة التي اطلقوها حالة احباط لدى كثيرون مؤمنون بان الفرق بين مواجهة  نزعة  روح الجماعة الاقصائية  شيء مختلف عن اقصاءها، وان الجماعة قابلة للتطور وقادرة يوما على فصل الدعوي عن السياسي والتحول لحزب قيمي على شاكلة العدالة والتنمية المغربي  ،  بدت   الجماعة مصرة على الحالة “السيزيفية ” التي تضع نفسها وبعدها نحن فيها ،، تصعد  سنتمترات بالصخرة لتنزل بها امتار ….والسؤال هنا ، اذا كانت المبادرة كما يقول دراج  والجرف مؤامرة امريكية فهل كان عبد الموجود درديري ممثلا للحزب الشيوعي الايطالي مثلا في الورشة التي تديرها ؟؟ وهل لدى سيف عبد الفتاح حجة اخرى سوى التسريب الاعلامي قبل فوات الأوان للتراجع عما لو ثبت صحته لكان بداية الطريق نحو طريق بناء ؟؟ هل الجماعة منشقة على نفسها ولا نعرف – واذا كانت الاجابة لا –وهي على الاغلب كذلك ، فهل تلعب علينا ذات اللعبة التاريخية الميكافيلية  التي حفظها وسئمها  الشعب المصري ،، فريق يقول نعم وفريق يقول لا ونتقابل عند الكوبري؟؟ اليس هذا المنهج ذاته هو الذي دمر سمعة الجماعة عشرات السنين؟؟وهل تكشف للجماعة الآن والآن  فقط  ان القصة اعقد من (الانقلاب والانقلابيين ) وان العودة تحتاج الى كامل مواجهة مع الحلف الصامت ومع معسكر طويل عريض من افكار وتهيؤات اليمين الديني  الداعشية والتكفيرية والجهادية وحتى السيد- قطبية ، وان الحوار مع عبد الفتاح السيسي أسهل بكثير من الحوار مع المجتمع ، والحوار مع المجتمع اسهل من الحوار مع التيار الاصولي ، والحوار مع الاصولي اسهل بكثير مع الحوار مع  الجماعة ذاتها ؟؟ .لقد برهنت المبادرة أن الجماعة  تدور حول نفسها ولا تدور حول الشمس ، وبدلا من ان تتقدم بالصراع السياسي خطوة ، فتنتج حوارا مع السلطة او المعارضة او القوى السياسية ، لم تزد في نتاجها عن انها قدمت حوارا  إخوانيا – إخوانيا على الملأ  هو اقرب الى المشادة ، حوار لم يضف على الوعي السائد سوى تحديث  للخبر الذي إذاعه يوما الراحل الموهوب حسام تمام عن” تسلفن الاخوان ” ، وهوتسلفن يغلق باب الأمل الى حد كبير الى ما حلمه الشرق والغرب واليساري والليبرالي والمسلم والمسيحي ان ينتقل الاخوان الى مربع قريب من النموذج التركي أو “الإسلام الليبرالي” بتعبير الباحثة في “راند” شيرليبينارد” .

يتبقى القول أن الجماعة – أو فريق منها- بعد أن استعرض نوعا من الأفكار الحية التي  يمكن أن تتناقش الناس حولها ، عاد ليبرهن أنه اضعف كثير من يتحمل مسؤوليتها  ومكاباداتها واستحقاقاتها ، ,ان الشيء الوحيد الذي تستطيع ان تفعله الجماعة  هو  أن تهذي بان الانقلاب يترنح ومرسي ، في الصباح وتحشد عاطفيها حول إفيهات زوبع  وانتصاراته على احمد موسى في المساء …..، وهي مهام ليس فقط لن تؤدي الى شيء  لأن الازمة ليست مع الجنرال كما اسلفنا  ، بل انها  لا تزيد في أحسن الأحوال  عن مهام الالتراس كروي هاوي  ..وفي مدينة  بحجم طنطا او الزقازيق

خالد محمود

[email protected]

2 تعليقان

  1. التحليل رائع لولا أنه يبدأ من أرضية أو فرضية مستحيلة وهى أن الإخوان كتنظيم تنبع أفكاره و اهدافه و تكتيكاته من أيدلوجية معادية لكل المواد الواردة فى المبادرة , وحتى احتمال وجود أعضاء فى التنظيم يؤمنون بواقعية و عدالة ما جاء بالمبادرة أيضا مثله مثل الغول و العنقاء و الخل الوفى . وبهذا فإننى أصدق أن المبادرة صيغت بعيدا عن قيادات الإخوان , أن هناك من يفكر لهم و يمنحهم قبلة الحياة . و مجرد الأمل أو الوهم أن إخوان مصر قد يسلكون منهج أخوان المغرب أو اخوان تركيا أو حتى اخوان تونس غير ممكن بالنظر إلى ظروف نشأة كل تنظيم فى مناطق مختلفة من حيث ثقافة كل مجتمع وظروفه التاريخية و مدى ايمان شعب كل منطقة بالدولة المدنية و العلمانية

    • انا من فريق من الناس مع الضغط مع الاخوان في اتجاه مقرطتهم ومدينتهم وتسييسهم لا في اتجاه ابادتهم جسديا وسياسيا ، رغم كل ماتفضلت به من استعصاء ذلك ووجود مشاكل خلقيه (بكر الخاء وتسكين اللام) كثيرا ماتحول او تعرقل ذلك ، لكن هذا هو التوجه الصحيح والرهان على الزمن الجيولوجي لانجاز ذلك ، مع الوضع في الاعتبار ان جزء من تبس الاخوان تم بسبب مصادرة الحياة السياسية المصرية منذ الخمسينات لانك خارج المشهد السياسي لايمكن الا ان تكون ايدلوجي وستاتيكي واطلاقي ،انا لا اراهن على كل الاخوان اراهن على فريق منهم ، والعدالة والتنمية التركي الحالي هو انشقاقا عن انشقاق لمواجهة التششد الاصلي ، وانا في هذا كله عيني على الزمن لان عليك ان تلاحظ ان الوصول المتاخر لجماعة حسن البنا جعل امكانات عرقلة الحداثة واقعيا اقرب للوهم …انظرلكاريكاتير داعش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*