أيمن شرف : قصص كامل العزب التي تشبه صاحبها

%d8%a8%d8%b9%d8%ab

القصص تشبه أصحابها
مجموعة كامل العزب القصصية “بعث”دراسة تحليلية لأيمن شرف
مقدمة
القصص تشبه أصحابها، وكلما كانت جيدة كلما كانت دالة أكثر عليهم.. على طريقة تفكيرهم، على رؤيتهم لأنفسهم وللحياة، وكلما قل “الاصطناع” فيها، أي كلما ظلت الكتابة في حد ذاتها لا تمثل للكاتب غرضا آخر غير “التعبير عن الحقيقة” أو ما يراه “تعبيرا أو محاولة للبحث عنها” كلما ظلت القصص محتفظة بأصالتها وصدقيتها.. وهذا ما نجده في قصص كامل العزب، الذي ينشر للمرة الأولى بعد نحو ثلاثين عاما من الكتابة، وأكاد أظن أنه لا ينشر الآن سعيا “للدخول” في علاقة تقليدية بين كاتب وقارئ، بل ربما هي الصدفة، فهو – كما أظن مرة – أخرى ليس مهموما بهذه الصيغة بقدر ما أنه مهموم بالكتابة في حد ذاتها، بالإبداع في ذاته، وهذا يردنا بالأساس إلى الغرض من الإبداع أو وظيفته على مستوى الفرد، لا على مستوى الجماعة.. وكأنه مجرد محاولة للوعي، الكتابة كوسيلة للتعرف على الأفكار، وليست كصياغة نهائية للأفكار، الكتابة كحالة ذاتية، كفعل إنساني متطور، وليس كوسيلة لتوجيه خطاب أو رسالة إلى الآخر – الآخرين.
أقول أيضا إنني بمحاولتي “تحليل النص” وفق طريقة “مكونات العمل الأدبي” والتي تتعلق بذهنية المؤلف عند الكتابة (مكون الواقع أو الآنية – مكون الاحتمال أو الإمكانية – مكون النتيجة) التي تعرفت عليها حديثا رغم قدمها، تأكدت ربما معرفتي السابقة بكامل العزب، بطريقته في التفكير.. بشواغله الإنسانية.. بضجره أحيانا من العالم بسعيه لإدراك وتفسير السلوك الإنساني..
(وهنا أشير إلى أن مدرسة مكونات العمل الأدبي بدأت في الثمانينات على يد رائدها الألماني فالتر فالك، أستاذ علوم اللغة الألمانية في (جامعة) ماربورج، وأجرت دراسة أعتقد أنها شديدة الأهمية على مستوى النقد أو التحليل الأدبي لفهم سياق المعنى الوجودي، الدراسة صدرت في كتاب عنوانه “بالتوازي مع مصر”، وهي تستعرض العلاقات بين الحقب التاريخية في الأدب المصري والألماني في القرن العشرين، وهي تنسب “للشرق” – وفق التعبير الغربي- مشاركة حقيقية في حياة الحداثة، وتثبت أن الزمن الذي يعيش فيه الألمان مثلا قد يعيشه الآخرون هنا بنفس الطريقة).
في السطور التالي أحاول القيام بأمرين: تفسير النصوص -القصص- من خلال تلخيص عناصرها الأساسية – وفق الطريقة سالفة الذكر – وفي الوقت نفسه تعريف القارئ بمنهجيتها لتسهل عليه قراءة أي عمل أدبي.. وصولا في النهاية إلى استخلاصات إحصائية بسيطة، تاركا الباب مفتوحا أمام القارئ لاستنتاجات عامة من واقع تلك القراءة.
الدراسة التحليلية
البندول
ثلاثيني في ليلته الأولى بعد سن الثلاثين، لا يزعجه أن ما يحدث له “الآن” يذكره بالموت، بقدر ما تزعجه فكرة إحساسه بالشلل أو الإحباط من نفسه، فهو كثيرا ما يعقد العزم على أن يفعل شيئا (أن يخرج من شقته ويترك لساقيه حرية السير والتفكير وصولا إلى قرار “ما”)، ثم يستغرق وقتا طويلا دون أن يفعله، بل يختار شيئا آخر، هو أقرب للاستسلام، يشعر بالغضب لسبب ما “منسي” ويعتزم التعبير عن الغضب، لكنه يمتنع، وفاجأه مرور الثلاثين عاما وهو على نفس الحال.. فقط يستغرب من نفسه كيف أصبح هكذا، وهو أيضا شخص مبتسم مهذب، يتعامل بأدب مع الآخرين، سهل العشرة على خلاف ما تنبأ به أبواه، وراض عن نفسه وهيئته، ولا يضايقه أنه مازال أعزبا في هذه السن وليس في حياته أمور خاصة يمكنه أن يستجمعها في تلك الليلة.. ولا يبدو أنه تخلص مما كان يؤرقه، رغم ما يوحي به خروجه إلى شارع خال تماما تتناغم خطواته مع صوت حبات المطر.
مكون الواقع أو الآنية: استمرار ميكانيزم الاستسلام.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: معرفة سبب الغضب وعدم التعبير عنه.
مكون النتيجة: عدم التعبير عن الضيق والغضب.
***
بيت
بيت مجازي كأنه مكان في حلم، منتدى ضخم أو دار عبادة هائل أو مكان للحج، ذو طابع خيالي، بلا أبواب وبلا نوافذ، تكوينه الهندسى غير مألوف، بسيط الأثاث لكنه مريح، يدخله الناس يجلسون يتحدثون وينصرفون ويمارسون “ما يسمونه طقوسهم”، والضوء الذي لا يمكن تحديد منبعه يوحي بأن الأفق لا نهاية له، وفي الوقت نفسه “يُشعر [الناظر] أن امتداد ذراعيه هو آخر ما تستطيع عيناه تمييزه”، وتتباين مشاعر الناس تجاه البيت، يطيل بعضهم مكوثهم فيه، ويزوره آخرون على عجل، ومنهم من ينتابه الحنين إليه، ومنهم من يشعر بأنه تيه فيغادره فزعا”.
والبيت لصيق ببحر على شاكلته، وإن كان واقعيا أكثر فهو “يؤثر فى الإرسال الإذاعى، يصلح للاستشفاء من الأمراض الجلدية، ومشاهدة الأجساد العارية، وبه سمك، يعيش قريبا من القاع، ولا يمكن الغوص إلى القاع إلا بملابس خاصة للحماية من الضغط، وفي القاع البحر سفن غارقة”، وهنا لا نجد سوى وصف لمكون الواقع الراسخ، والإمكانية الوحيدة هي في خيال بعد زواره الذين “أغروا أنفسهم بالسباحة فيه إلى آخر حدوده، ومنهم ـ إن لم يكن هو ذاته ـ من أراد مرة ـ على الأقل ـ أن يموت فى نقطة التقائه بالسماء”، ونحن لا نعرف من المقصود هنا بـ “هو”، هل هو الكاتب متحدثا عن نفسه بضمير الغائب، أم شخص آخر، لكن الأرجح أنه الكاتب، ثم نفاجأ قرب الختام بمكون الاحتمال، أنه لا يستطيع الذهاب إلى هناك، فـ “حسب قروشه القليلة.. لم يكن متاحا… سوى شراء جريدة الصباح ليحتمى بها من المطر”.
مكون الواقع أو الآنية: عدم امتلاك القدرة.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: الرغبة في تحقيق مستحيل (الموت عند نقطة التقاء البحر والسماء) الرغبة في المشاركة في زيارة البيت الملغز.
مكون النتيجة: استحالة الزيارة واستمرار الواقع كما هو.
***
بطاقة
قصة من ثلاثة مقاطع مكثفة جدا، تحكي عن مدينة خيالية أو خرافية، يأمر رئيسها برفع ثمن وجبة مستوردة سيئة المذاق من “غش الغراب” يتناولها الجميع في الإفطار يوميا.. ثم تُشيع جنازة أحد الأموات، ليس معروفا كيف مات، ويخرج جميع أهل المدينة لتشييعه، ثم يطرق شخص ما بابه، باب الراوي، فيفتح له فيريه بطاقة ذات اسم جميل، ووظيفته لص، يدخل وينتقي بعض الأشياء القيمة، ويبتسم في وجهه ثم يخرج..
وردود الأفعال على عكس المتوقع افتراضا، فلا أحد يهتم من رفع سعر الوجبة التي يتناولها الجميع في إفطارهم، وهو (الراوي) لا يشارك في جنازة الميت، وبعد أن أخذ اللص بعض الأشياء القيمة أغلق وراءه الباب بهدوء واستلقى ونام.
مكون الواقع أو الآنية: الإحجام عن الحفاظ على القيم.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: أن يقف أحدهم ضد الخطأ أو الظلم، أن يشارك الآخرين في أداء واجب إنساني، أن يواجه اللص.
مكون النتيجة: لا قيم، أو حالة لا مبالاة نتيجة فقدان القيم.
ملاحظة: ربما يبدو رد فعل الراوي منسجما مع القيم في مقابل ردود فعل أهل المدينة الآخرين، فلأنهم لا يتجرأون على الاعتراض، ولأنهم يشاركون في جنازة ميت لا يعرفون كيف مات، فربما أنه قتل، وبالتالي يقتضي الأمر سلوكا آخر غير مجرد المشاركة في جنازته، ولذلك تعامل الراوي مع “اللص” الصريح بأريحية من يجد أن من حقه أن يسرق، وبالتالي تتغير نسبيا المكونات، فيصبح مكون الواقع هو: لا أحد يواجه الظلم ويقيم القيم، ومكون الاحتمال أو الإمكانية هو أن يفعل أحد ما الصواب، ومكون النتيجة: فعل الصواب مهما كان موقف الآخرين.
***
لحظة
أم تلد، وتستغيث بمن حولها أن يساعدوها، “أن يشاركها أحد.. أن يخلصها أحد، أن ينهى تلك اللحظة الثابتة الأليمة، ويدفع بهذا الكائن إلى الخارج يغطيه الماء والدم”، ولا أحد يشارك في إنهاء الألم أو جلب الوليد إلى العالم، حتى الموجودات الأخرى لا تشارك.. فقط تشهد اللحظة، والأم وحدها هي “الوحيدة القابضة على سرها.. سرها الصغير: دفع المخلوق إلى الحجرة، إلى المكان، إلى الأماكن، إلى المدينة، إلى العالم، إلى كل التواريخ التى مرت وتمر، إلى كل الأسماء والتفاصيل التى ستعيد تشكيله يوما بعد يوم، إلى كل المشاعر التى لا تتوقف ولا تنتهى، إلى الحب، الكراهية، الحياد، اللامبالاة، الألم.. “الأم نفسها هي اللحظة” التي يشهدها الجميع.
مكون الواقع أو الآنية: عجز الجميع عن تخفيف الألم أو المساعدة في ميلاد حياة جديدة.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: أن يشارك الجميع في ألم الميلاد.
مكون النتيجة: الأم وحدها، أو اللحظة وحدها، هي التي تعرف طريق “الخلاص” بالمعنيين الواقعي والمجازي.
***
مقدمة قصة نسيها القاص
الحدث بسيط، فعل قد يؤدي إلى الانفراط والتشتت مثل رذاذ الماء عندما تمر عربة على بقعة من الأرض هبطت بفعل إلقاء ماء متكرر، صاحب محل يحب عجلته البخارية أكثر من زوجته فيغسلها كثيرا ليسبب هبوطا أرضيا أمام محله، السيارات تمر فتثير رذاذ الماء، والناس يمرون، ينفرطون للحظات ثم يلتئمون.
مكون الواقع أو الآنية: قوة قاهرة آلية تدفع إلى التشتت، (التحول إلى رذاذ).
مكون الاحتمال أو الإمكانية: الانفراط أو التشتت.
مكون النتيجة: الالتئام.
***
حالات عادية عند انتهاء النوبة
نحن أمام شخصين يريدان أن يتعايشا معا، لكنهما لا يستطيعان، يتقاسمان كل شيء تقريبا، وربما يتشابهان، يعيشان معا في غرفة، لكن يتعين على أحدهما أن يغادر، فيغادر خفيف المتاع، لكنهما يلتقيان ثانية، ليقيما معا في مكان آخر، ثم لا يستطيعان التعايش، يلتقيان عند انتهاء نوبة العمل، فلا يتواصلان، ويصبح أحدهما كثير الأصدقاء ومزعجا، يعبث أصدقاؤه بأوراق الآخر، لكن كل منهما تجذبه أنثى في اتجاه، في اتجاه أن يتباعدا، ويتعين على أحدهما مرة أخرى أن يرحل، لكننا نلقى إشارات واهية عن أنهما قد يكونان ربما شخصا واحدا، تتنازعه رغبتنان متضادتان، (“لمحته فى المرآة التى نحلق عندها ذقنينا” و”كان ـ مثلى ـ يهذى بكلمات لم أسمعها. لم أكن أسمع سوى صدى صوتى يملأ الغرفة”)، ولا ذكر لمصير كل منهما مع أنثاه، أن يبقى وحيدا أو مع أصدقاء، أن يعود لمن تراسله عن بعد، أو من يلقاها كل يوم في نوبة العمل.
مكون الواقع أو الآنية: شدة التناقض بدرجة لا تحتمل.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: التعايش مع متناقضين.
مكون النتيجة: رفض التعايش.
***
لقاء
تتدرج القصة بين عبارات تكمل معنى خبرة معرفية تتطور لدى الراوي (الذي يكاد يحدث نفسه) “هنا أنت” ثم “هنا أنت.. وهنا أنا”، ثم “هنا أنت.. وهنا أنا.. اثنان لا واحد”، ثم “هنا أنت.. وهنا أنا.. اثنان لا واحد.. هل تصلك الرسالة”، وأخيرا يكتمل المعنى بحوار أطول قليلا “هنا أنت.. وهنا أنا.. اثنان لا واحد.. هل تصلك الرسالة هل بدأت للمرة الأولى تعي ما يمكن أن تعنيه الألفة؟؟
–    هل تقدرين على حمل الحقيبة معي؟ هل تستطيعين سير الطريق الوعرة دون كلل؟ هل يمتلك قلبك الأغنيات التي تهب الروح المتعبة سكينتها؟ هل..
–    هنا…
–    ضميني في صدرك كي أتنبأ وأنا لا أكتب ولا أقرأ”.
وبين تلك العبارات التي تكتمل بالتدريج صور مجازية عن رغبة في “اللقاء” مع ثلاثة أخريات، حبيبتان وأم، تصور عدم إمكانية اللقاء أو “التوحد” بين ذاتين، بدءا من الابتسامة “بصوت يشبه هديل الحمام”، وإفاقته “بغتة على عنصر لم يكن منتبها له من قبل”، هو “ملمس القطيفة، دفء الأرنب المرتعش بين يديه”، ثم “تيار الماء الحار يغسل أفكاره المتجمدة، فتسحب الابتسامة بيسر لا يتبينه، وتسكن الحركة في بؤرتين متسعتين ثابتتين تحملان العنصر الجديد.. العنصر الملهم.. عنصر الخلاص”، وهنا يدرك الجزئية الأولى “هنا أنت”.
تليها استعارة من “يترقب.. قطعة الحلوى معلقة في الهواء” و”فمه المتشوق لذوبان الطعم الحلو فيه”.. ولا تمتد اليد فيخبو قلبه فجأة كنار انطفأت وخلفت دخانا أسود” “فتغيب عيناه، تكبوان.. تنكسران وتلمحان تفاصيل الأرض” فيدرك أن “هنا أنت.. وهنا أنا”.
تأتي استعارة عجز ذراعيه والبخجة المنشرة في أوصاله عن احتواء السماء الزرقاء.. شديدة الاتساع والزرقة، “أو ذاك الجسم المعدني الضئيل القاطع السماء طولا وعرضا مخلفا صوتا يعلو عن مجمل وجوده.. طائرة”، واكتشاف أن “كفه الصغير يمكنه أن يخفي الطائرة.. يلتئم وهي داخله، لكنه حين ينفتح لا يحوي إلا ذرات العرق.. تحتفي الطائرة، ولا يتبقى سوى أزيز، خيط أبيض، سماء لا نهائية وزرقة البعاد”، فيدرك أن “هنا أنت.. وهنا أنا.. اثنان لا واحد”.
وتأتي استعارة إسقاط حلمه الزجاجي فـ “يهوي ليصطدم بالأرض ويتناثر كالمسامير.. يراقب بنظر جامد، فاقد الوعي، الأجزاء المتناثرة عبر المكان: قطع حادة، مدببة، منفصلة، قاتلة” ثم “راح يلملم الشظايا”، ويأتي استكمال العبارة البينية السابقة “هنا أنت.. وهنا أنا” بـ “اثنان لا واحد.. هل تصلك الرسالة؟؟”.
واستعارة أخرى عن “قطع الطرقات بين البنايات الشاهقة في “المتاهة التي لا تريد أن تنتهي” و”قلبه معلق ببعيد لا يمكنه نيله” و”يبحث بعينين ضالتين في الوجوه عن ما وعدته به الأقدار في حلم سحيق.. أتاه وهو مستلق بين ذراعي السيدة العجوز وهي تهدهده بأغنيات العشق التي اعتادت أن تناجي بها رجلها الراحل”، و”أفاق إثر دمعة ساخنة سقطت على وجهه، فنظر إلى السيدة العجوز وقد كفت عن الغناء وتسمرت عيناها في وجهه”، وهنا يدرك عبر الحوار الأخير “ما يمكن أن تعنيه الألفة؟؟” ويسأل إن كانت من يخاطبها “تستطيع حمل الحقيبة” معه، و”سير الطريق الوعرة دون كلل”، وإن كان “قلبها يمتلك أغنيات تهب الروح المتعبة سكينتها، ويطلب منها أن تضمه في صدرها كي يتنبأ وهو لا يكتب ولا يقرأ”.
ملاحظة: تنتهي القصة بجملة “ملغزة” أن ضمها له في صدرها يمكن أن يجعله قادرا على التنبؤ وهو لا يكتب ولا يقرأ”، وكأن الحنان كفيل بأن يكسبه القدرة على “المعرفة” حتى لو كان لا يمتلك أدواتها “الكتابة والقراءة”.
مكون الواقع أو الآنية: تناقض الذوات.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: التوحد مع آخر.
مكون النتيجة: إدراك أن الألفة هي حل مشكلة تناقض الذوات.
***
مراسم حداد
أرملة وابنة غني متجبر في قرية، مات أبوها تاركا ثروته لها وأمها وأولاده الثلاثة الرجال، طلبت تنفيذ عادة تقول “بتقسيم التركة قبل أن يخرج الميت من بيته”، فبدت في عيون الجميع كمن ارتكب جرما، ونزل عليها غضب الثلاثة، فأحدهم يظن في نفسه العدل، والثاني يوقن أنه سيكون مطالبا بتقسيم الكوم الكبير الذي – يظن – أنه أفنى ما مضى من عمره في السعي من أجل أن ينميه، وهو بالتالي “يستحق –الآن- أن يجني ثمار شقائه”، والثالث كان يكرهها ليس إلا، ولخجلها أو حنقها من رد فعلهم أقسمت لنفسها ألا ينطق فمها بكلمة بقية اليوم.
وحاملو جثمان المتوفي اعتبروه لثقل جسده من أثر النعمة متجبرا في موته كما في حياته، فقد تنامت ثروته من عرق كدهم، ويجيبون على صوت يصيح “لمن الملك اليوم؟؟” بالرد المعتاد “لله رب العالمين” بنبرات “متباينة، خاشعة، مؤمنة، ساخرة”، بينما وقفت الزوجة بين النسوة “بجسدها الممتليء وعلى وجهها قسوة طاغية يشعلها الغضب، لأن رجلها قد رحل دون أن تأذن له”.
فيما بقيت البنت الكبرى منزوية في ركن بجوار سريره الفارغ، فقد “شعرت حين كواها إخوتها – الذكور- بنظراتهم أنها قد أتت بخطيئة، فسكنت بمحبسها انتظارا للقصاص، وهي، التي فقدت أباها بعد أن فقدت زوجها، قد صارت فجأة منبوذة بعد أن كانت وحيدة فحسب”، حتى أمها حين أمرتها بإعداد “الطعام للرجال قبل عودتهم” فقد أفزعت رضيعها الذي نسيته ملقى في حجرها، “فهدهدته وهي تنهض فزعة إلى المطبخ كي تعد طعام العائدين من الجنازة”.
وأكبر الأبناء الذي تصدر العزاء يتفرس وجوه المعزين ليلمح حزنا حقيقيا في أعينهم، ولينبه من تثقلهم الديون بسرعة أداء الدين، ويظن في كلمات عمه عن أبيه الراحل شماتة ما.
وفي المطبخ الثري جهزت الابنة أصناف طعام متنوع “وزينت الأطباق بما يفتح شهية المكلومين” وهي تشك في وجود حزن حقيقي، والهدف من الوليمة الفخمة أن تتحاكى القرية – البائسة – بخير البيت الكبير وكرمه الذي يكفي الجميع.
بعد أن انتهت “حملت رضيعها الباكي بسبب جوعه”، وأبلغت أمها التي اعتلت الأريكة في صدر ساحة البيت أن الطعام جاهز فلم تجبها الأم، و”لملمت بيدها الخالية طرف جلبابها الأسود الوحيد، وسارت في هدوء يعكس كبرياءها – عله الشيء الوحيد الذي ورثته عن العائلة – إلى باب البيت، بينما شيعتها نظرات النسوة المتسائلة، وخرجت عائدة إلى منزلها في الناحية الأخرى من القرية”.
مكون الواقع أو الآنية: الطمع والكراهية.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: العدل في توزيع الحقوق [الميراث].
مكون النتيجة: استمرار الظلم.
***

قطار العودة
هو ورفيقته في قطار شبه خال بين مدينتين، يسألها عما يدور برأسها بالتحديد؟ وتجيب: ما لا يمكن تحديده، وهدفه من السؤال أن “يبدأ – هو – في تحديد ما برأسه”، ولأنه لم يجد ما هو محدد عندها، لم يبد استغرابا، وهما لم يكن في اعتقادهما أول النهار أنهما سيعودان بالقطار”.
بعد تجول بصري في العربة يدرك أنه لا يوجد بها سوى “رجل يرتدي “جاكت” رث، ترك العربة شبه الخاوية بأكملها وتخير الجلوس مواجها جدارها، وفي الجهة المقابلة جلست فتاتان وشاب يتهامسون بصوت مكتوم، ويضحكون بصوت عال”، وهم غير مهتمين بهما.
عاد للسؤال “لكن كيف لا يوجد في رأسك الآن شيء بعينه.. إنك تفكرين منذ وقت طويل في آلاف الأشياء!! الآن.. كيف لا يوجد في رأسك ما يمكن تحديده؟، ولم يحصل على إجابة، فراح يحاول أن يصيغ سؤالا عن أي شيء، لأنه يريد الحديث، مجرد الحديث، لكنه لا يجد إجابة محددة عند رفيقته، ولا يجد في رأسه – هو – شيئا محددا يبدأ الحديث به”.
ثم يستغرق – هو – في مونولوج قصير عما يمكن أن يحكيه لرفيقته، “كان ممكنا أن يستعيد حياته كلها (منذ مات أول مرة) بأدق تفاصيلها في لحظة واحدة، ويضحك، لكنه كان على وشك كسر صمته حينها ويخبر رفيقته أنه يشعر – حالا – أن ذاك الشيء الذي تحتويه جمجمته يطفو الآن في سائل من نوع ما، وأنه هذا الحال يجعله يشعر بما لا يجد بمخيلته (الطافية) تعبيرا عنه سوى الانتشاء، وهو لذلك يريد أن يتحدث”.
واكتشف أن “الجملة التي انتهى منها كانت اقتراحا بأن يغنيا معا أية أغنية”، وقرر واقع اللحظة أن “كل ما يحس به هو أنه في عربة بالقطار، وأنها معه، وأن العربة بها بعض الأشخاص غير المهتمين بهما، وأن القطار سيتحرك بعد قليل، وأنه يشعر بحالة من الانتشاء”، و”اكتشف – أيضا – وهو يسأل – نفسه – كيف خرجت جملة بدلا من أخرى، أن رفيقته قد أقرت الاقتراح فشرعا يغنيان بصوت خافت، بينما بدأ القطار في التحرك معلنا عن رحيله بصافرة طويلة زاعقة لم توقفهما عن الغناء”.
مكون الواقع أو الآنية: عدم امتلاك القدرة على التعبير عما يريد.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: الحديث عما يريد الحديث عنه.
مكون النتيجة: الهروب إلى بديل “صوت غناء مشترك”.
***
بعث
القصة التي اختار المؤلف عنوانها للمجموعة ككل.. هو يتحدث عن نفسه، يصف بلغة رمزية الخروج من حالة من الركود أو الرقاد أو الموات بالقيام أو البعث، مرورا بما سماه “الغسل” الذي هو “واجب” “لكى يتطهر من الذنوب التى لا تحصى، والتى صنعتها يداه، قدماه، أفكاره، وروحه”، إنه يصف القيام اليومي من النوم الليلي، لكنه وصف محمل بإحالات على الموت والبعث والغسل في المنتصف، وعلى موقف من الحياة الخارجية، تتضح بدرجة أكبر في إلقائه تحية الصباح على الجدار “صباح الخير أيها الحائط الموشى بالصور وحكم “الآخرين”.
لحظات الاستيقاظ مصحوبة بالألم، يتعرف من خلالها على ملامح جسده ويستجمع ذكريات الحركة، كأن نومه الليلي دهرا، البطء في القيام وتفصيل حركاته (ميل الرأس إلى الأمام- الذراع التى انحسر عنها الرداء يوحي بثقل الإحباط والضيق واستمراره، ومع اكتشافه حالة أشياءه كما تركها أمس يدرك “الجحيم الذى توجده إرادة غير مسئولة”، وحين تتحرك “الذراع لتعيد الغطاء الجنائزى (غير المقدس) إلى ركنه الحزين المحتاج إلى الطهارة، ينكشف جسدٌ منهك، فاقد الإرادة، فاقد الرغبة، فاقد القدرة”.
لكن حكما “لاراد له” يصدره البوق (الكونى) الأنيق القابع بجواره، بالقيام.. بالخروج من المرقد إلى البراح الذى تنفتح عليه النافذة ذات الإطار المعدنى” إلى حيث سيحدث “انصات لأقاويل دعاة كاذبين تمزق شرايين القلب مقابل حركة غير مكلفة يسمونها “ابتسامة”، خطوة فى خط طويل من السير المنهك ترجو المعنى”، إلى حيث سيحدث الفعل الأخرق، القيام، المغادرة، التحكم فى البدن الهائل، الوعاء الخرافى الكامن فيه القرد، والملاك، الأغنية، والدعاء، والسباب، والذكريات، والدموع، والأرق، والملل، والغضب، والحلم، واليأس، والعفونة، والصراخ، والرجاء، والدم الفاسد، والروح، وألاعيب السحرة، وتمائم العابدين، وتراتيل الحجيج، وجموح الماجنين، وسيل الخلق، وشفرة القتل، والحصار، والهروب، والإقدام على المستحيل: القيام”.
ومع الغسل “الواجب” تتحرك البقية الباقية منه إلى الأمام كأنه ارتد فجأة إلى الزمن الذى بدأ فيه تعلم المشى، خطوة متعثرة بعد أخرى. يتجرد فيبين جسده شيئا فشيئا، ويشعر به رويدا، رويدا، كأنه يسترد الوعى بعد غيبوبة، كأنه يفيق من نوبة مرض افترست أعصابه. انهمر السيل (الماء) دفعة واحدة، عارما، صاخبا، هادرا، مدمرا فاستسلم له كل ما عاينه وشهد وقوعه، جرف كل شىء، الأشجار المغروسة بالأرض والأحجار الكبيرة والصغيرة، الذكريات، المخاوف، الأمنيات، الجدران، المتاريس… شعر بنفسه يهتز، بالماء يصدم أركان روحه، ويجعله يهتز ويترنح كبناء عجوز يعبث به زلزال قوى، ووجد رغبة دافقة تتلاطم فيه ككتل الماء الجبارة، وجد رغبة تنمو، وتكبر، وتتوحش، وجد نفسه يريد أن يقبض على نصل ويقطع الجدول الذى حفرته المياه، وحيدا يريد أن يصرخ، أن يلعن، أن يتلو مزامير تكشف له حجب الأشياء، ويخلص منها مرة واحدة إلى النور، حتى يشف وتنعدم أثقاله، أو إلى النار فتلتهم الألم المخترق روحه كسهم مسموم”.
وتنتهي القصة أو “الترنيمة الوصفية” بلغة استعارية كأنها لغة كتابات مقدسة “أيها الناهض توا! ألا وقد تطهرّت بالماء!! تقدم وسر على الصراط أمامك، فاقطعه لنهايته! سمع، وأطاع”.
مكون الواقع أو الآنية: الرقاد أو الموات أو رفض الواقع.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: النهوض أو مجابهة الواقع.
مكون النتيجة: احتمالية النهوض.
***
من باب التأريخ
شاب تقليدي يعاون أباه في إدارة حانوت (دكان) في البيع والشراء، يصارح أباه برغبته في الزواج، ولأنهم يعيشون في زمن ووسط لا يسمح له بأن يقرر بنفسه أن يختار من يتزوجها تقوم أمه بترشيح فتيات للزواج، ويصاب بحيرة في اختيار أفضلهن له، فتعاونه أمه بحيلة أن يرتدي زي امرأة ليدخل معها بيوت المرشحات ويفارن بينهن، وفي كل مرة يرى أن من يراها هي الأفضل، وبعد اكتمال الفرجة تزداد حيرته، فتساعده أمه بالتمييز بينهن بالعيوب، حتى يستقر رأيه على رأيها، فيصبح هو نفسه الذي اختار ويتحمل مسئولية الاختيار.
(ملاحظة: القصة بسيطة تقليدية من زاوية السرد، مما يسهل تحليلها بسرعة، وهي في الوقت نفسه ذات طابع نفسي – شخصي) والعنوان “من باب التأريخ” قد ينسحب على زمن معين يقصده الكاتب، كأنه باختيار العنوان يؤرخ لشخص ما أو نمط ما من الأشخاص.
مكون الواقع أو الآنية: عدم امتلاك القدرة على الاختيار.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: الرغبة في الاختيار وتحمل مسئوليته.
مكون النتيجة: توهم الاختيار.
***
ولد يُدعى هذا
نحن هنا أمام أطول قصص المجموعة، نتعرف من البداية على المكان، حيث مدرسة أو مؤسسة تعليمية “داخلية” أي تشمل الإقامة الكاملة للتلاميذ فيها، لكننا شيئا فشيئا ندرك من خلال تعبيرات استعارية موحية أنها ليست مدرسة أو مؤسسة واقعية، فـ “زاويا النظر فى كل الصور (المعلقة) ثابتة، تعبيرات العيون المثبتة والصارمة واحدة، اختلفت الملابس بين الصور لكنها جميعا يميزها اللون الأزرق”، “ورغم تراكمات الوقت.. لا يمكن معرفة بداية حقيقية” “لأسوارها”، يستغرق النص في وصف “المدرسة الرمزية” وأهم شخصين فيها “الرجل الضئيل المجدورالمنكفىء ظله أمامه على أرضية الممشى”، وهذا هو “الرجل المسئول” الذي “يهتم بنظافة المكان.. ويعشق ترتيب الأدراج القديمة والمستعملة والتخلص من تلك التى لم يعد منها نفع”، ويعرف كل صغيرة وكبيرة في المكان وفي “نفوس” التلاميذ، ويحرص طول الوقت على إحكام سيطرته عليهم، ثم “الرجل الكبير” الغريب الغامض، “الأعلى رتبة في المكان، يديره عبر الرجل المسئول”، وهو ليس مبتدأ أو محدثا للمدرسة بل هو “في موقعه يواصل عمل رجالا سابقين يمارسون مهمتهم عبر الأجيال المتتابعة”، وهو “الذى يجب أن تحمل أوراق (الأولاد) توقيعه حتى يمرون من هنا”.
نحن ببساطة أمام بناء “تربوي” صارم مهيمن على “الأولاد”، يراقبهم في كل صغيرة، ويعرف أدق تفاصيلهم، و”هم ـ دون انقطاع ـ يسعون لتفادى عقاب “الرجل الكبير” قبل السعى لنيل رضاه، و”على يديه تشكل كل شىء، على يديه صبت أرواحهم فى قوالبها فلا تتبدل أى منها حتى تغادر المرة الأخيرة إلى العالم الآخر”.
في استكمال الرمزية مشهد توزيع الأوراق في نهاية كل “موسم” على (الأولاد) الذين أحضروا إلى “المكان” بوسيلة لم يتحدث عنها الأهالى أبدا، فلا أحد يعرف هل جاءت تلك الجموع الفتية الآن قسرا، أم جاءت باختيار حر، ولا يجرؤ أحد على السؤال حول ذلك ـ فهذا واحد من أسرار “المكان” العديدة التى لا يجوز لأحد الاقتراب منها”.. لا نعرف هنا على وجه الدقة هل نحن أمام مشهد تخيلي لامتحان في نهاية العام، أم في امتحان بشري كبير!
بعد هذا الوصف الدراماتيكي الرمزي للمؤسسة المزاوجة بين “الواقعية – وغير الواقعية” يتسلل النص إلى نقطته الأساسية، إلى حالة استثنائية، للمرة الأولى في تاريخ المؤسسة تتأخر النتيجة التي يعلنها عادة الرجل الكبير لحين البت في ورقة أحد الأولاد.. “هل سيلقي به إلى الخارج كما يفعل دائما، أم يعطيه فرصة أخرى؟؟”.
ويحتار الرجل المسئول في تفسير احمرار وجه (الرجل الكبير) هل هو مريض، “لكنه حين عاد بذاكرته إلى التاريخ لم يجد يوما أصاب فيه (الرجل الكبير) مرض من أى نوع”، هل هو “غضب مكتوم!!” “لكن (الرجل الكبير) لا يحتاج لأن يكظم غيظه أبدا، فبيده مقاليد الأمور،وبيده أن ينزل سوط غضبه على من يشاء وقت يريد دون رد من أحد أو اعتراض”، وأخيرا خشي أن “يكون (الرجل الكبير) يقترب من نهايته!!” لكنه صرف الخاطر بثقة إذ يوقن أن هذا (الرجل الكبير) لا يموت”، “صرف (الرجل المسئول) الفكرة ـ حتما ـ لأنه يخشى أن يكون موت الكبير إشارة لموته هو الآخر، فهو ـ كغيره ـ يخاف الموت مثلما يحب الحياة ـ ربما ـ داخل أسوار المكان العالية”.
واتضح أن دوسيه “ولد واحد فحسب هو الذي يؤخر مصير الجميع”، فقد كانت ورقته مختلفة بصورة لم يكن ينتظرها وفي انتظار حضور “هذا” أو “الولد الذي يدعى هذا” إلى غرفة الرجل الكبير نعرف ماذا فعل خلال أسبوع التأجيل، والحالات المشابهة التي درسها في الملفات القديمة، وكانت حالات “الخروج” قليلة للغاية، بعضها “حالات لا تملك العزم الكافى للاستمرار فى المكان”، نتيجة “خلل فطرى فى تكوينهم، بعضهم ضعيف البنية، أو لم تكن لديهم الطاقة على استيعاب ما يلقيه عليهم المعلمون، أو أنهم كانوا فى الأساس اختيار غير موفق من القائمين على اختيار المقبولين بالمكان، فى النهاية كانت تلك الحالات تعلن نفسها فى تصرفات تشذ عن المتوقع منها، وكان من السهل إخراجها من مدار العمل دون أن يلحظ أحد غيابهم”، و”بعضهم لم يكن مؤهلا لتحمل المعرفة التى يتلقونها بالمكان، ولذلك كانوا يفقدون العزيمة سريعا، ويدخلون فى أزمات متتالية مع أقرانهم ومع المعلمين، وكان من السهل تحديد المشكلة فى سلوكهم المضطرب، فكان يتم تقويمها، أو طرد تلك التى يستحيل التأثير فيها دون خسائر، ودون أن تبقى بذاكرة أحد بعد اختفائها من المكان”.
أما الحالات الاستثنائية فثلاثة على مدار تاريخ المكان..
الولد الأول نهض فى قاعة درس اللغة واعتلى الطاولات وأخذ يكرر كلاما غير مترابط غير موجه لشخص بعينه، من المعلمين أو الأقران، وأحدث بتصرفه حالة من الفوضى امتدت بعد قليل لتشمل الطابق كله، حيث انطلق خارجا من القاعة وهو يصيح بذات الكلام، ولم يستطع أحد أن يوقفه عن الكلام بعدها، حتى توصية “الرجل الكبير” بإيداعه إحدى دور الرعاية، عرضوه على مختص فى طب النفس، فأفتى بأنه قد فقد السيطرة على عقله، وحاول أن يوجد له علاجا عاجلا لكنه لم يفلح، وبعد سنوات فشل العلاج ولعدم قبول العائلة تسلمه قررت الدار إطلاقه إلى الشارع حيث يمكن أن يجد متنفسا فى التجوال وتغيير الأماكن.
الولد الثاني أبدى المعلمون تحفظات عديدة حول استجابته لهم، وتفاعله مع ما يتلقاه، كانت استجابته وتفاعله يخبوان يوما بعد يوم، حتى أصبح لا يرد على أحد منهم على الإطلاق، شرح التقرير دون تفصيل أن تلك الحالة تفاقمت حتى أصبح لا يحدث أحدا، ثم لملم جميع ملابسه واتجه دون إذن إلى الممشى أمام الحجرة الكبيرة حيث يعمل الرجل الكبير وجلس أرضا خارجها، ظل على حالته حتى ساعة خروج الرجل الكبير للغذاء وبادره قائلا: – أريد الخروج .. لن أبرح مكانى حتى تعطيهم الأمر بإخراجى من هنا!!، ورأى الرجل الكبير تنفيذ طلب الولد لأنه لا ينتظر منه أن يحقق المطلوب فى نهاية (الموسم)، وتسلمه والده.
الولد الثالث استيقظ ليلا وذبح مشرف العنبر دون مقدمات، وحاول استكمال جريمته بقتل أقرانه النائمين معه، ولم يتمكن من استكمال جريمته لسيطرة ولدين عليه وتسليمه مكبلا للسلطة المختصة، ولم يكن بين الولد والمشرف أو أقرانه أية خصومة ظاهرة، ولم يكن باديا عليه أى ميل للعنف، ولم يتم إدانته فى أحداث شجار سابقة، ولم تنجح سلطة التحقيق فى الوصول إلى دافع يجعله يرتكب تلك الجريمة، واعترف الولد بجريمته وطلب من المحقق عدم إرهاقه بطلب معرفة دوافعه، وبين فى أقواله أنه مستعد لقبول أى عقاب يراه القاضى بشأنه، كان من المعلوم أن العقاب الوحيد هو الموت، وهو ماحدث بعد إنهاء الإجراءات بسنة لم يفلح خلالها أحد فى جعله يكشف عن دوافعه.
أما الحالة الأخيرة “هذا” فكانت تقارير المعلمين والمراقبين عنه إيجابية فى مجملها، اتسم أداء “هذا” بالثبات والتركيز، وأعماله الكتابية اتسمت بالانضباط والدقة، لا يفوت ملحوظة تصدر عن معلم دون أن يسجلها، ومنضبط فيما يتعلق بالمواعيد والتوقيتات، كانت مشاركاته فى العمل المشترك مع أقرانه إيجابية على الدوام، بل أضافت لتبين أن سعادته فى كل مرة يشارك فيها فى عمل جماعى كانت حافزا لأقرانه لتجاوز صعوبتها لكن خارج إطار العمل (التعلم) كانت علاقته بكافة أقرانه حيادية، لم يكن له زميل مقرب، لم يكن له صديق مقرب، بل على العكس، كان يحافظ فى علاقته بالآخرين على أسلوب لا ينتقده أقرانه وإن كانت لا يبدو فيها حميمية، ولم يكن له معلم مفضل، وهو بدوره لم يكن (ولدا) مقربا لأحد المعلمين، وهذا فى حد ذاته كان سببا فى زيادة حيرة (الرجل الكبير)، فهو لم يجد إجابة، بل وجد سؤالا يتسع، ويكبر، ويتمدد.
لم يعقد “هذا” مع رجل الخدمة صفقة سرية من أى نوع، ولم يكن طرفا فى صفقة عقدها (ولد) آخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولم يفكر مرة فى تبادل حديث خاص معه، ولم يساومه على أى شىء، أو يقايض أى شىء معه، ولم يره مرة فى مكان ممنوع التواجد فيه سواء كان بمفرده، أو مع آخرين، لم يلمح رجل الخدمة (المسئول) “هذا” مرة يرتكب خطأ من الأخطاء التى يتم تسجيلها دون إضاعة الوقت فى التحقيق فيها، لأنها كانت الزلات التى يقبلها قانون المكان الصارم. ولم يسمع من غيره أية عبارات تحمل النقد أو السخرية، لم يكن لدى أى (ولد) شيئ خاص يقوله عن”هذا” لرجل الخدمة (المسئول)، إيجابيا كان أو سلبيا، فى حوار خاص ليسجله الرجل.
تقارير “هذا” تشبه تقارير النسبة الأكبر من باقى (الأولاد)، فهذا ما يتطلبه المكان ولا يتنازل عنه: أن يحقق الأولاد درجة دنيا من الاتقان مساوية تماما لباقى الأقران، ودرجة دنيا مساوية من الالتزام والانضباط، “هذا”، إذن، ولد عادى لا يوجد فى سجلاته ما يجعله متدنيا فيصبح من الحالات الاستثنائية القليلة التى يتوجب معها تدخل (الرجل الكبير) بالحسم والعقاب أو الطرد، كما لا يوجد بها ما يجعله بارزا بصورة إيجابية تجعله ممن يمكن أن يقع عليهم الاختيار ليستمروا فى كنف المكان ليواصلوا تحقيق رسالته”.
وهو ما جعل ما وضعه بورقة إجابته مثيرا لدهشة الرجل الكبير فاستدعاه لمقابلته، وخرج الرجل المسئول عن المعتاد في حالات الاستدعاء التي تتم دون أن يلحظها الآخرون معلمين وتلاميذ، “صاح بصوت عال” – بينما يغني التلاميذ في جوقة استعدادا لحفل انتهاء الموسم – يا (هذا) !! (الرجل الكبير) يريدك!!!”.. وسار (هذا) خلف (الرجل المسئول) فى هدوء واضعا يديه فى جيبيه.
وهنا نعرف أن ذروة الحفل، قبل نداء (الرجل الكبير) بنفسه على (الأولاد) واحدا واحدا لتسلم ورقته، هى نهوض جميع الحاضرين، من داخل المكان وخارجه، فى تقديس شديد بترديد النشيد تحت قيادة قائد الجوقة والفرقة الموسيقية التى ليس عليها من مسئولية سوى التدريب على اللحن.. ومع نص النشيد تنكشف – أو هكذا يبدو الأمر – رمزية تلك المؤسسة، فالنشيد يقول:
“فلتنصت أيها العالم البليد
أيتها التلال الخضراء
أيتها الصحارى، والبحار
أيتها السفوح الفسيحة
أيتها البيوت
صوتنا يملأ الدروب
أقدامنا تجتاز الجبال والسهول
صوب أرض ربنا
رب السماء والبروج
رب النور والحياة
نور ربنا الإله
يخلق الأرض
ويرسم الحدود
وينتقينا..
ويصطفينا
لنبقى منارة للبشر والحجر
إنا بنوره، وعزمنا، وقوة من حديد
إلى الأرض هذه
أرض ربنا.. أرضنا
نسير”
وأخيرا.. تتسع ابتسامة “هذا” كلما اقترب من مكان الرجل الكبير، يرد على كل من راح يراقب الحدث مندهشا “بنظرة واثقة فيشع من عينيه سعادة لم يجربوها على أحد من قبل”، دخل من “الباب الكبير” دون أن يخرج يديه من جيبيه، وضغط الرجل الكبير زر “اللمبة” الحمراء”..
وانتهت القصة – رغم ذروة الفضول الذي خلقته لمعرفة نتيجة ذلك النوع من التمرد – دون أن تجيب مباشرة، وكأنها تحيلنا من جديد على الحالات السابقة التي انتهت بالمتمردين – أو الضحايا الثلاثة – إلى لا شيء.
مكون الواقع أو الآنية: هيمنة المؤسسة التربوية “الدينية” أو مؤسسة المدرسة الإنسانية عموما على الأفراد.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: التمرد أو الخروج على النظام الفكري المؤسسي.
مكون النتيجة: استمرار هيمنة المؤسسة على الأفراد.
***
ميراث
تتشكل القصة هنا من خلال استعارات “شعرية” مركبة، ويتغلف الحدث فيها بلغة شاعرية إيحائية فيكاد لا يبين داخلها، لتبدو القصة في مجملها “لحظة مكثفة”، ويصبح تلخيصها بلغة محايدة صعبا.. ستينية أنفقت عمرها في تجويد مهاراتها التي ورثتها “عبر خيط طويل من بشر راحلين تنتمي إليهم بأواصر الدم والقرابة” لكي تعلمها لأولادها، مهارات السيطرة على الغرباء (الزوار) عبر “تمثيل” الترحيب بهم، فتعلم أولادها “كيف ينتقون عبارات كريمة تصل خيوط المودة مع المستمع (كخيوط العنكبوت)، كيف يجعلون أعينهم تبتسم في تواضع يحتضن الغريب، فيشعر بالراحة (الخدر)”، و”تعيد ترتيب قائمة البدائل المتاحة، لتكون هي الأفضل حين تختتم المراسم، ليكون أداؤها ختاما يضمن كسب قلب الزائر كسبا نهائيا، (فيدخل الشرنقة) حتى تغلفه على مهل” و”بدأب يناسب عمر الذي انقضى بين الحدود الفاصلة بين الأراضي (الصغيرة) المزروعة بمحاصيل المواسم (الفقيرة) المتعاقبة وبروية تشبه صبر السلحفاة التي لا تمل الانتظار… أفردت للحزن الشق الأكبر من سعيها لصقل مهاراتهم، علمتهم كيف ينظرون دوما إلى الأمام، دون أن يلتفت أحد منهم إلى المحيطين من الحزانى، فتستجيب عيونهم للحالة وتسكب دموعا تتابع حياتها في يسر صادق (المظهر)”.
علمت البنات أن يتخذ جسدهن “إيقاعا حركيا متكررا (كالذكر الصوفي)، أما البنون فيخفون بيد الوجه وبالأخرى يتكئون على أقرب مسند ليبدو عليهم ذكورة الحزن الأبية”.
لكن النتيجة أن أولادها لا يشعرون بالتعاطف معها، فترى على وجوههم وهي على فراش المرض “مزجا عجيبا بين الفرح والحزن.. فرح وترحاب جم (بموتها)، وحزن عارم فصلت تقاسيمه على صورهم (خشية من استعادتها لقواها من جديد)”.
ملاحظة: توحي أوصاف مثل “بدأب يناسب عمر الذي انقضى بين الحدود الفاصلة بين الأراضي (الصغيرة) المزروعة بمحاصيل المواسم (الفقيرة) المتعاقبة” بأثر ثقافة الفقر في الريف فربما يغرس اعتماد حياتهم على زراعات موسمية فقيرة بصورة متعاقبة نمطا من سلوك الصبر والاحتيال، وكذلك يوحي مثال آخر بمستوى اللغة الشاعرية الاستعارية في التعبير عن حالة الحزن لدى البنات والبنين: “البنات أن يتخذ جسدهن… إيقاعا حركيا متكررا (كالذكر الصوفي)، أما البنون فيخفون بيد الوجه وبالأخرى يتكئون على أقرب مسند ليبدو عليهم ذكورة الحزن الأبية”.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: انتقال خبرة “المكر والقنص” من الأجداد للأبناء.
مكون الواقع أو الآنية: كراهية الأبناء للموروث السلبي.
مكون النتيجة: رفض توارث الخبرة السلبية القديمة.
***
شريف – لوحة
فاقد للبصر يسير في رحلة يومية إلى المسجد حيث يكسبه ضوء المكان قدسية من نوع ما، تكيف مع الانتظار الدائم لمن يساعده على الذهاب والمجيء إلى المسجد، انتظار شقيقه الأصغر، وتشغله الرغبة في رؤية الأشياء والناس لكن تعوضها عين أخيه الذي يسر إليه بمن سيمر بهم خلال لحظات، وفي يوم ما يتأخر المعاون عن المجيء، فيظهر من يساعد، ويحل محل أخيه لسنوات.
مكون الواقع أو الآنية: غياب المعاون – فقدان البصر.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: أن يأتي من يساعد – رؤية الأشياء والناس.
مكون النتيجة: ظهور شخص يعاون ليحل محل الغائب لسنوات – التدرب على معرفة الناس قبل المرور بهم.
***
انتحارية
بضمير المتكلم كالعادة في معظم القصص يحكي الراوي عن قصة انتحار “محب” هو تقريبا الشخص الوحيد “السليم” في المصلحة الشائخة التي يعملان بها، وهو شخص متفرد بالقدرة على السخرية من أي شيء وكل شيء، ويستطيع التباسط مع البائعين والبائعات حول المصلحة وتبادل التعليقات السوقية دون خجل، ولديه رفيق سري هو مكتبته، يعيش في عالم محتواها من الكتب، وحين يتناول مشروبه المفضل أو حين يسكر لا يتحدث إلا عن حبيبته، ويفضي بسره الوحيد إلى صديقه، رغبته في أن يوقفها في يوم قادم ليصارحها برغبته في الارتباط بها، كل ذلك يحكيه الراوي وهو في طريقه من مكان عمله في إدارة الأرشيف بالمصلحة مسرعا إلى غرفة سكن “سليم” الذي غاب للمرة الأولى، ليفاجأ بها من ظهرها في الغرفة والكتب مبعثرة ومقعد في منتصف الغرفة مقلوبا وحبل معلق بالسقف، وسليم مغطى بملاءة في ركن الغرفة، ولنا أن نحزر أن السبب في هذه “الانتحارية” عنوان القصة، هل كاشفها برغبته فلم يجد استجابة؟ يبدو أنه الاحتمال الأرجح.
مكون الواقع أو الآنية: غياب المُحبة.
مكون الاحتمال أو الإمكانية: تبادل الحب.
مكون النتيجة: التخلص من الحياة، عدم القدرة على الحياة بدون الحب.
******
استخلاصات إحصائية
من هذا العرض وتجريد كل قصة إلى مكونات ثلاثة يمكننا استنتاج التالي:
نحن أمام 15 قصة، تتمحور حول موضوع أساسي هو “الفرد”، ويمكن تقسيمها داخليا إلى نوعين: الأول: مشاهدات ذاتية أو داخلية، (في تسع قصص – البندول – بيت – بطاقة – لحظة – مقدمة قصة نسيها القاص – حالات عادية عند انتهاء النوبة – لقاء – قطار العودة – بعث) يطل فيها  الكاتب- أو تطل فيها القصة – على الذات الداخلية، تحاول استنباط أو رصد عجزها.. إحباطها.. افتقادها للحب.. إلخ، والثاني: مشاهدات خارجية، (في ست قصص – مراسم حداد – من باب التأريخ – ولد يدعى هذا – ميراث – شريف (لوحة) – انتحارية) يطل فيها الكاتب – أو تطل فيها القصة – على عالم خارجي، أفراد في مجتمع، لحظات مهمة في حياتهم، طبيعة ومدن وبحر وأشياء، لكن هذه المشاهدات تحاول أيضا الدخول إلى “الفرد” من منظور خارجي.. وعندما تركز في وصفها على طبيعة “تجمع انساني”، (قرية – مدينة – حركة بشر في مكان افتراضي- وقاعي – مؤسسة تربوية.. إلخ)، تحاول أيضا استجلاء مشاعر ودوافع الفرد.
وعلى مستوى المكونات الثلاثة المتعلقة بذهنية المؤلف عند الكتابة (مكون الواقع أو الآنية -مكون الاحتمال أو الإمكانية – مكون النتيجة) نجد في القصص التسع ذات المشاهدات “الذاتية” أو الداخلية” أن مكون الواقع ينتصر في ست قصص من التسعة وينتصر مكون الاحتمال في الثلاثة الباقين.
البندول: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): مكون النتيجة: عدم التعبير عن الضيق والغضب.
بيت: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): استحالة الزيارة واستمرار الواقع كما هو.
بطاقة: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): لا قيم، أو حالة لا مبالاة نتيجة فقدان القيم.
لحظة: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): الأم وحدها، أو اللحظة وحدها، هي التي تعرف طريق “الخلاص” بالمعنيين الواقعي والمجازي.
مقدمة قصة نسيها القاص: (ينتصر مكون الاحتمال أو الإمكانية): الالتئام.
حالات عادية عند انتهاء النوبة: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): رفض التعايش.
لقاء: (ينتصر مكون الاحتمال أو الإمكانية): إدراك أن الألفة هي حل مشكلة تناقض الذوات.
قطار العودة: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): الهروب إلى بديل “صوت غناء مشترك”.
بعث: (ينتصر مكون الاحتمال أو الإمكانية): احتمالية النهوض.
وفي القصص الست القائمة على مشاهدات في العالم الخارجي ينتصر مكون الواقع أو الآني في أربع قصص مقابل مكون الاحتمال في القصتين الباقيتين.
مراسم حداد: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): استمرار الظلم.
من باب التأريخ: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): توهم الاختيار.
ولد يدعى هذا: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): استمرار هيمنة المؤسسة على الأفراد.
ميراث: (ينتصر مكون الاحتمال أو الإمكانية): رفض توارث الخبرة السلبية القديمة.
شريف (لوحة): (ينتصر مكون الاحتمال أو الإمكانية): ظهور شخص يعاون ليحل محل الغائب لسنوات – التدرب على معرفة الناس قبل المرور بهم.
انتحارية: (ينتصر مكون الواقع أو الآني): التخلص من الحياة، عدم القدرة على الحياة بدون الحب.
ملاحظة أخيرة.. رغم استغراق الكاتب في كثير من الأعمال في المشاهدات الذاتية، وما يمكن التعارف عليه تحت مسمى “تيار الوعي” إلا أنه في أعمال المشاهدات الخارجية أو مشاهدات الواقع الحي يثبت نفس الدرجة من القدرة على الملاحظة والتعبير عن الذات الإنسانية وهمومها وشواغلها.. وللحضور أو للقراء أن يضيفوا ملاحظات أخرى من واقع تلك القراءة..
كنت أتمنى لو كانت الأعمال القصصية مؤرخة وفق تسلسل زمني، لأمكن أن نتوصل إلى علاقات أكثر دلالة فيما بينها، ولو أنني أختار اسما للمجموعة لاخترت “ولد يدعى هذا”، والتي أتصور أنها كان يمكن أن تكون رواية منفصلة..
ثم كلمة أخيرة.. أتمنى أن أكون قدمت تحليلا مقبولا يليق بعمل إبداعي مخلص وجاد لكامل العزب..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*