البرادعي الذي خان طريقنا الثالث

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af

فاجأنا الدكتور محمد البرادعي هذا الصباح ببيان يوضح فيه موقفه من 30 يونيه وفض رابعة و3 يوليو وانسحابه من المشهد السياسي وتفاصيل أخرى كثيرة.

والحقيقة ، وقبل أن نقرأ بيان “القائد الملهم” لابد من ان نوجه له التحية على “السرعة الديناصورية” الفائقة لتجاوبه مع الأحداث، وعلى تفاعله  المذهل مع التطورات ، ومع إدراكه بوصفه عالم  نووي  يرى الأشياء من المرصد السماوي ، للوحدة الزمنية الجديدة التي يعيشها الإنسان المصري ، والتي ترى أن رد الفعل يستوجب  أن يكون مرة كل ثلاث سنوات على أية فعل.

الصراحة أنا مندهش من بيان البرادعي ، بل لا أبالغ أن أقول أني شعرت كمصري بالإهانة

،، فقد مرت أيام على جموع المصرين “المنصفين” الراغبين في الحقيقة ، “يتنشقون” فيها على  كلمة أو شبه جملة من البرادعي أوغير البرادعي بعد أن عم الضباب المشهد السياسي في 30يونيه.

كان خروج المصريين “التاريخي” و”المفصلي “في 30 يونيه ، هو الصحيح المطلق الوحيد في تلك اللحظة ، إذا لم يكن في مواجهة غباء جماعة الإخوان التاريخي وإهدارهم لفرصة استعادة وبناء الحياة الديمقراطية لكل الوطن بعد  25 يناير ، وتحالفهم – أي الإخوان ، مع كل نفايات اليمين الديني في بلادنا من السلفيين الخام إلى السلفيين الجهاديين ألى الجهاديين ألى حزب التحرير الإسلامي إلى داعش ، لم يكن  ثمة بدالا التحرك وإنقاذ الدولة الوطنية من الضياع ، حتى لو كان احد الاحتمالات العودة ليس فقط إلى ما قبل 25 يناير 1954- بل إلى 4مارس 1954.

لم يكن هناك خيار أمام  “الكابوس ” الذي كان يهدد الوطن، فقد أصبح واضحا أن جماعة الإخوان المسلمين بكل خبرتها وتجاربها وإمكاناتها لم تلتقط الإشارة  العالمية والأمريكية والغربية جيدا ، “نريد تجربة على شاكلة أردوغان في مصر” ، “نريد إشراككم في السلطة لاختطافكم لها”، “نريد تجربة  ليبرالية تستوعب الإسلاميين ، لا اسلاموية تقصي الجميع”، “نريدكم سلاحا ضد التطرف والسلفية الجهادية والداعشية لا سلاحا معهم”، وعليه كان طبيعيا أن تدخل الجماعة بنفسها وبالبلاد في الحائط ، وان تدخل مأساتها اليونانية القدرية -المقررة المكررة-اضطهاد، فمشاركة فطمع فسعي للاستحواذ فصدام ، بذات الكربونية التي حدثت في 1948 و1954 ، وكأن بومة منيرفا كما كان يردد هيجل لا تبدأ الدوران إلا عند الغروب.

كان خروج  المصريين في 30 يونيه -قرار ألفي (يحدد مصير ألف عام) ما في شك أو مزح في ذلك لكن كان تفاجئهم ،، أن هذه المقدمات الصحيحة لم تؤدي إلى نتائج صحيحة، ومن هنا كان التخبط والحيرة والحوجه إلى الفكرة والقائد.

كان رهان المصريين على أن 30 يونيه سيدفع ببلادهم إلى مسار أكثر ديمقراطية ، فاكتشفوا انه يزج بهم إلى أكثر إنفاق الاستبداد والديكتاتورية والقمع إظلاما ، كانوا يعتقوا انه سيأتي لهم بدولة القانون فأتي لهم بدولة الكرباج ، كان اعتقادهم انه ينهي دولة طائفية، فغير شكلها فقط وأضاف لها دولة طوائفية تعيش فيها 4 طوائف -العسكر والشرطة والقضاء والنخبة البيروقراطية كل الامتيازات بينما يتضور باقي الشعب جوعا ، كانوا يتصورون أنها مقدمة لدولة العدل الاجتماعي ، فاكتشفوا أنها دولة الرأسمالية المتوحشة والمافيوزا، كان رهانهم أنها دولة 30يونيه فاكتشفوا أنها دولة 3يوليو.

وسط هذه الظلمات – بحث المصريون عن فكرة وعن قائد -فلم يجدوا.

ومن وقت لآخر – رفع شباب هنا وشباب هناك راية الطريق الثالث فلم يجدوا من يحملها، لم يكن هذا الشباب – او هذا العواجيز حتى- بكثير احتياج لتنظير أو تقعير لما يمكن رفضه، فما يحلم به نطق به ميدان التحرير حلما بالعيش والحرية والكرامة ورفض المرشد والعسكر ، لكنه كان يبحث عمن يفض له التباسات ذلك مع الظروف، هل الأصح مواجهة سلطة 3يوليو فيصب الأمر في حجر الأخوان أم التزام الصمت فيصب ذلك في ترسيخ الاستبداد؟؟ هل الحفاظ على الدولة الوطنية وتحاشي مصير ليبيا وسوريا والعراق يصل إلى حد التنازل عن الحلم والثورة؟؟ هل يجب قبول  خارطة طريق 3 يوليو مؤقتا ثم معارضتها لاحقا؟؟

ثم -علاوة على هذا كله ، لو قررنا أن نعارض ، أن نسعى للتغيير من جديد أي راية تضمن لنا أن يسير هذا في طريقنا الثالث؟؟

في ظل هذه الأجواء -اختفى السيد البرادعي، وقرر -أو قرر له -أن يرحل

الأدهى من ذلك أن السيد محمد البرادعي قرر اختيار صمت القبور – أو ربما اختير له صمت القبور

.كان ملايين المصريين -من كتلة الطريق الثالث  -الرافضين للأستبداين الديني والعسكري -البوليسي- “يتنشقون” على معلومة بسيطة يحددون بها موقفهم من الأحداث : هل كان هناك فعلا خطة  عملية لفض رابعة دون إراقة دماء؟؟  اقترحها ومن رفضها؟؟ كان “يتنشقون” على معلومة -لماذا ترك الاعتصام يكبر ويسمن تحت بصر السلطات ، ولماذا لم يتم تطويقه من اللحظات الأولى؟؟

مع ذلك ، بخل البرادعي على شعبه ،ليس فقط بالموقف -بل حتى على المعلومة التي يبني عليها المصري الغلبان الموقف -ذلك المصري الذي لا يريد أن يظلم  مواطنه وشقيقه الأخواني ولا يريد أن يظلم جيشه أو مؤسسته العسكرية الوطنية.

كان انسحاب البرادعي من المشهد – انسحابا جبانا -لا يليق بشخص ظنه “المدنيون” انه مشروع قائد يحول التاريخ ، بقامة سعد زغلول أو النحاس أو ناصر ، وكان صمته أكثر إيذاء من انسحابه ملايين المرات.

والواقع – وأنا لا اكتب هذا اليوم وأنما كتبته يوم ظهر البرادعي قبل يناير – أن طرح اسمه ” كان  وجودا لرمزية تبحث عن شخص أكثر منها لقائد مستحق لتاريخه

فقد كان الناس قبل 25 يناير ، وفي حالة التجريف السياسي ، بحاجة إلى اسم تلتف حوله الجموع ، إلى قائد ليبرالي حقيقي تجتمع خلفه كل ألوان الطيف ، لا يكون إخواني ولا ناصري ولا قومي ، ولا يكون قد مسه تشويهات وألاعيب دولة حبيب العادلي وهندستها البشرية في صنع وتخريب وتزييف المعارضين ، وان لا يكون جعجاعا، ولديه رؤية حداثية حقيقة لا أيدلوجية، ولديه اتصالات دولية .لكن البرادعي فشل في مواكبة المهمة بامتياز  .

اخفق البرادعي في مواطن كثيرة لا مساحة لذكرها ، لكن كان الأخطر فيها ، هو انسحابه في أزمة 3 يوليو – لحظة كان يبحث فيها الناس عمن يتقدم ، وغموضه منذ يوليو إلى اليوم ، في حقبة لا يجوز فيها الغموض.

في تقديري الخاص -أن البرادعي السياسي ( أطال الله في عمره) مات أكلينيكيا – ولا مساحة له في تقديري على المشهد.

الخدمة الوحيدة التي يمكن أن يقدمها لشعبه وللحقيقة وللوطن ولمستقبل مواطنيه هو أن يكتب لنا الشهادة الكاملة

لما جرى في الكواليس -منذ 30 يونيه وحتى 3 يوليو وحتى اليوم

قد يكون في هذه الخدمة تكفيرا لملايين المصريين ممن خرجوا في 25 يناير فأحبوه وتمنوه قائدا لمستقبل ورائدا لحلم. رحم الله الجميع.

خالد محمود

[email protected]

2 تعليقان

  1. رائع كعادنك فيما تكتبه يا خالد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*