عباس منصور – مآلات تطارد الأشخاص في مجموعة “بعث”القصصية

%d8%a8%d8%b9%d8%ab

متابعات الجنوبي -بوابة الحضارات
الناس تمشي وكل الخطوات والمشاوير مقررة ومحتومة ولا مجال لتغييرها، وكأن كل هذه الشخوص هنا للتسلية وتمرير الوقت الذي لا يملكون وسيلة للخلاص منه.. لدرجة أن هذه القبضة القدرية الحاسمة على مصائر الشخوص دفعت بمعظمهم إلى متن النصوص بلا أسماء.

وفي أطول الحالات السردية في النص الذي جاء بعنوان ولد يدعى هذا.. نحن في قلب الكابوس، فالمكان بلا ملامح والشخوص بلا أسماء والجريمة والعقوبة غير محددتين.. قد نكون في معسكر لإعداد الشبيبة أو في مدرسة داخلية.. نحن في معسكر تربوي صارم والقائمون عليه يعرفون أهدافهم بدقة من خلال وضع النظم الصارمة والأنشودة الحاملة لرؤية المؤسسة ورغم ذلك يتمرد أحد العناصر وتبدو القناعات الداخلية للقائمين على المؤسسة مهلهلة وبلا يقين داخلي من خلال كثرة الاحتمالات والأسئلة المفتوحة على براح بلا حدود.

في مجموعة “بعث “القصصية لكامل العزب ، وفي قصص “البندول” و”بيت” و”لحظة” يواجه النص في هذه الحالات السردية الثلاث سطوة المآلات بالعبثية والانفصال عن إيقاع الحدث وتفاصيل المكان ففي لحظة وفي الوقت الذي تنتفض الأم في حالات المخاض ينشغل الحضور بعيدا عن هذا المولود القادم إلى هذه الحياة وتمارس الكائنات حضورها الرتيب المعتاد في سرمدية صارمة، حتى استقبال الوليد وصراخ الأم لا يقويان على شد الحضور خارج هذه الحتمية القدرية السرمدية التي تمسك بمآلات الشخوص.

في “البندول” تطغى الرتابة والملل وينتشر القلق تحت أفق يئن من الرؤية العبثية ونحن في قلب حدث مكرس بالشخصيات المسحوقة التي بلا أشواق أو طموح.. شخصيات تم تدميرها.. شخصيات لا يبرز منها إلا شخص اسمه ساهر موظف بلا قرار أو يقين.
وفي سردية “بيت” يسيطر السأم على التداعي في وصف البحر ورؤية الناس والبيت بلا هدف أو قرار… وكما في “بيت” جاءت قصة “بطاقة” لتقديم شخص غير متوائم مع ما حوله من صخب لا يغريه بالاندماج، وربما يكون هنا تفسير لهذا الموقف العام من الوجود، حيث صارت اللصوصية في العرف الاجتماعي والقانون مهنة رسمية، يدونها أصحابها في بطاقاتهم الشخصية!!

وفي مقدمة “قصة نسيها القاص” تكريس للعبث وسط كائنات بلا قرار مدججة بالقبح والشر كلهم لا يهتمون بالفساد والسقوط من حولهم وكأنهم مستسلمون لمصائر حتمية لا فكاك منها.
وفي “حالات عادية عند انتهاء النوبة” انقسام الذات وانفتاح الحيوات والمصائر وتداخلها.. إنها مزاوجة بين الواقع والحلم الذي قد يكون إشارة إلى المهرب والخلاص من سطوة هذا الوجود الكابوسي.

ويصل الاغتراب ذروته في “لقاء” حيث الرغبات المكبوتة والإحساس بالقطيعة والعزلة عن تفاصيل الواقع الممتلئ بالصخب والفوضى، ويربطها بقصة “قطار العودة” سيادة الهاجس والانفعالات النفسية والخواطر غير المكتملة والتي تتجسد في متتابعات لغوية، ولا ينجلي المعنى وتشخص الدلالة إلا عبر الخاطرة والهاجس.

وفي “مراسم حداد” و”شريف” حدثان من الواقع وشخصيات بالاسم أو التوصيف تعبران عن الألفة المفقودة والمحاولات الخائبة للحصول عليها أو مطاردتها، ولو في التخيل، ويصلهما بقصة “انتحارية” إضافة إلى وضوح الشخصيات ما يبذله الشخص من عناء لتحقيق رغبته، يصل هذه القصص الثلاث ببعضها رغبة الشخوص وسعيها لتحقيق أهدافها… أن تكون ذات قرار وحضور، على عكس الانسحاق والاستسلام للمصائر والمآلات المحتومة والتي تضغط على قرار كل شخصيات المجموعة القصصية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*