رباب كمال : عفو اسلام بحيري لم يكن عفوا

%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%a8

لا أعرف لماذا كان خبر الحكم على إسلام بحيري في ديسمبر 2015  صادمًا على مجتمع الثقافة أو محبي البحيري من طبقات  نخبوية  أو غير نخبوية .
لربما جاء الخبر صادم بسبب مجموعات من القوى العلمانية و  التنويرية التي روجت لاشاعة مفادها  أن الرئيس يقف متضامنًا مع البحيري و أن البراءة مضمونة بل و لربما ساهم الخطاب التفاؤلي لاسلام البحيري بدعم هذه النظرية
بل و انتشرت نظرية أخرى بين التيارات العلمانية في مصر مفادها أن الرئيس يخطط لاصدار العفو بعد انتهاء اجراءات التقاضي ليكون ضربة قاصمة للسلفية!
بالطبع هذه نظريات كانت بعيدة تمامًا عن قراءة الواقع ، لأن الرئيس السيسي تبرأ من تجديد إسلام البحيري للخطاب الديني علانية في ابريل 2015 أي قبل تأييد الحكم بحوالي ثمانية أشهر و قال أن هناك من أساء فهم تجديد الخطاب الديني لأن هذا الموضوع منوط به الدولة المصرية  ..ما قاله السيد الرئيس كان بمثابة إعلان رفع يده عن البحيري ليواجه الأخير مصيره .
قضى إسلام البحيري 11 شهرًا من العقوبة و من ثم تم إصدار العفو ، و خرج البحيري و قام بوضع منشور على صفحته على التواصل الاجتماعي  بتاريخ يوم 19 نوفمبر في تمام التاسعة مساءا بتوقيت القاهرة ، و كانت الخلاصة هو التقدم بالشكر للرئيس المصري على العفو .
لابد أن نتقدم  بالتحية لاسلام بحيري على ثباته الانفعالي في كتابه تلك السطور ، و ُأدرك أنه كان على درجة كبيرة من الوعي  حتى لا يفسح المجال للإخوان و السلفيين للاصطياد في الماء العكر.
الشكر الذي تقدم به إسلام البحيري للرئيس جعل البعض يتهمه بالتملق و المزايدة .. أي مزايدة ؟ هل نسينا إن إسلام البحيري دفع ثمن حريته في السجن؟  هل سيزايد البحيري على نفسه  ؟ بالطبع لا ..
يبدو أن إسلام بحيري لديه رغبة حقيقية  في استكمال مشواره التنويري و لهذا قرر أن يجعل قضيته الأهم ، لا التراشق مع النظام . إلا أن بحيري بالرغم من حسن نواياه  وقع في عدة مغالطات في منشوره  لا يمكن أن نغفل عنها و إلا نكون نحن من نزايد و نكون نحن من يتملق السلطة .
التعليق على المنشور لا يعني أننا لا ُنقدر ما مر به البحيري  من أوقات عصيبة بينما كنا نحن في بيوتنا نكتب له بضعة شعارات على التواصل الاجتماعي تضامنًا ..لكنه يعني أنه لابد من مخاطبة المشكلة بدون حرج، على الأقل صاحبة هذه السطور لن تستشعر الحرج   .
أولا  قال اسلام بحيري:  أن العفو كان مطلوبا لإعلاء للدستور المصري الذي يمنع مواجهة أي فكر بعقوبات سالبة للحرية
في الحقيقة ..هناك ثلاثة مواد في الدستور قد نعتبرها محورية في إطار مواجهة الفكر بعقوبات سالبة للحرية و منها المادة 64 و 65 و المادة 67 على النحو الآتي :
المادة 64 ( مادة حرية العقيدة ) ، و هي تنص على أن حرية العقيدة مطلقة لكن ممارسة الشعائر ُتحظر على أصحاب ديانات غير إبراهيمية و بالتالي فهي مادة منقوصة خاصة أنها لم تمنع من ملاحقة  اللادينين و الشيعة و تنظيم دورات الأزهر لمحاربة  اللبهائيين و كل من  سبق ذكرهم مصريون لا يجب التمييز ضدهم.
المادة 65 ( حرية الفكر مكفولة ) ، و هي مادة تم انتهاكها عدة مرات في قضايا لا تمت للحسبة أو ازدراء الأديان ، حيث لازال هناك مسجونين في قضايا رأي – لا تخريب و لا تحريض  – و لم يتم الافراج عنهم.
المادة 67 من الدستور ( حماية الابداع ) و هي مادة متناقضة  غريبة الأطوار ، تعطي الحق في الابداع ، و الحق في ملاحقة المبدعين  على يد النيابة العامة .
ثانيا قال بحيري : العفو كان مطلوبا انتصارا للتنوير الذي أطاح بدولة السلفية التي حكمت مصر لعام
هل انتهت السلفية في مصر بعد عام حكم الإخوان ؟ لو كانت انتصرت ما كان اسلام البحيري ليدخل  السجن في قضية ازدراء أديان بالرغم أنه كان لا يهاجم الاسلام بل كان يدافع عنه بالتجديد و التنقيح  من الشوائب السلفية و الرجعية ، لو كان التنوير انتصر على السلفية ما كان لينص الحكم على البحيري بأن الأخير يبث أفكارًا متطرفة! و لا تعليق لنا على أحكام القضاء و القدر .
ثالثا قال بحيري : فذكروني بدخول الرئاسة مثلا في أي عصر من العصور السابقة في قضية كهذه
لقد ارتكب بحيري مغالطة تاريخية كبيرة هنا ،لأنه في الحقيقة تدخلت الرئاسة المصرية في اعادة صياغة قوانين الحسبة و ازدراء الأديان عام 1995 بعد قضية د. نصر حامد أبو زيد ، فقامت الرئاسة متمثلة في الرئيس الأسبق مبارك بإلغاء التقاضي المباشر أمام المحكمة و وضع الأمر في يد النيابة العامة و التي في حقيقة الأمر حفظت قضايا عدة .
بل أن دستور 2014 و مادته 67 لم يضيفا أي جديد للتعديل الذي أدخله مبارك و الذي كان سببا في وقف سيل من قضايا الحسبة التي هدد بها شيوخ السلفية و منهم  الشيخ يوسف البدري و كان على رأس قائمته الأديب نجيب محفوظ و الفنان عادل إمام و غيرهم .
الفقرة السابقة الخاصة بمبارك لا تعني تأييدًا كاملا لشخصه بقدر ما تعني أن الموضوعية لابد أن تكون سيد الموقف و هنا تم الرد على اسلام البحيري في هذه الجزئية تحديدا الخاصة بالقانون ، أما على سبيل التجديد نفسه ، فهناك أمثلة عدة لربما لا علاقة لها بقضية حرية الرأي و نذكر منها ضغط الدولة المصرية على الأزهر لتجريم ختان الإناث و الذي تم عام 2007 ، و لا يخفى على أحد أن الأزهر خاض معركة ضد تجريم الختان عام 1994
رابعا قال البحيري : أشكر الرئيس عبد الفتاح السيسي على إيقاف تنفيذ الحكم كفكرة لا يجب ربطها بالموعد
بالعكس ، موعدها كان غاية في الأهمية .. لأن العفو الرئاسي إن كان قد تم بعد انتهاء اجراءات التقاضي  مباشرة تماما كما ينص القانون ، لكانت  بمثابة صفعة حقيقية ضد السلفية في مصر ، و إنما انتظار 11 شهرًا للعفو يعني إرضاءا للأزهر الذي لاحق البحيري و للهوية السلفية المتجذرة في الدولة المصرية . كما أن العفو عن اسلام البحيري لم يتم منفردًا بل تم في وسط الافراج عن 82 سجينًا آخر و لربما كان السبب هو منع الزخم الاعلامي الذي انتظر للاحتفاء بخروج البحيري ، فتتحول الآلة الاعلامية من استقبال الجماهير للبحيري خارج السجن إلى قرار العفو الرئاسي بشكل عام عن مجموعة من المسجونين الشباب .
خامسا قال بحيري في مطلع المنشور :العفو جاء  لتصحيح وضع فاسد وهو قانون القرون الوسطى
و هنا مغالطة أخرى ، لأن الرئيس المصري قام بصياغة أكثر من 250 قانونا قبل انتخاب البرلمان في نوفمبر 2015 ، و لم تقم الرئاسة بصياغة أي مشروع قانون لحماية المفكرين أو وقف العمل بقضايا الحسبة .
بل أن البرلمان المصري رفض مشروع تعديل الفقرة ( و ) من المادة 98 في نوفمبر 2016  و هي مادة ازدراء الأديان ، و لمن يقول أن البرلمان سلطة تشريعية منفصلة ، نذكرهم بأن اجراءات رفع الدعم و تحرير سعر الصرف و التعاقد على قرض صندوق النقد الدولي جاء مخالفًا للدستور دون مراجعة السلطة التشريعية .و الخلاصة هنا أن الرئاسة حين تهم بشيء تفعله ، فلهذا فإن الحديث عن  العفو عن اسلام البحيري بعد قضاء 11 شهر من عقوبة مدتها عام كامل و اعتبار ذلك انتصار للتنوير خطأ فادح  و لاعلاقة له بأن الدولة عقدت العزم على التخلص من السلفية .
الخاتمة
لا يمكن أن نقول أن بحيري يزايد ، فهو من عاني من ويلات السجن ، لكن في الحقيقة الدولة كانت تزايد عليه حين أفرجت عنه بعد قضاء العقوبة إلا قليلا ، كما أن ما حدث يعلمنا درسًا هاما و هو أن نراهن و ندافع عن الأفكار لا الأشخاص .
أما كلمتي لإسلام بحيري فهي كالآتي :
ما يعجبني في المنشور يا إسلام  هو ثباتك الانفعالي ورغبتك في استكمال المسيرة ..حتى وإن كان في رأينا المتواضع ان الصفعة الحقيقية على وجه التطرف  كانت ستكون حقيقية  إن تم العفو  بعد انتهاء إجراءات التقاضي وليس بنهاية الحكم .. وهذه ليست صفعة على وجه الأزهر بل تأخر العفو كان إرضاءا للأزهر ..
نحن  سعداء بخروجك للنور يا مناضل… وسعيدة بأنك قررت أن تركز في قضيتك ولا تتراشق وتصفي حسابات ..لأنك صنعت تاريخا لن يمحوه أحد .
لكن عفوا يا إسلام …لم يكن  هذا عفوًا

مصريات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*