مافيا الإتجار بالأعضاء البشرية تجتاح مصر

%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9

هاني إبراهيم
البداية حلم مصري بسيط بالخروج من دائرة الفقر، أو حلم أفريقي أبسط بالهرب بعيداً عن القارة السمراء، أما النهاية بالسقوط في براثن عصابات دولية للإتجار في البشر تلعب فيها إسرائيل دور البطولة باعتبارها أحد أكبر الأسواق الرائجة في تجارة الأعضاء البشرية، فيما تعاني مصر خلال تلك الرحلة من كونها “دولة مقر ومصدر وعبور في الاتجار بالبشر”، حسب ما انتهت إليه الورشة التدريبية التي عقدتها وزارة العدل المصرية في فبراير الماضي تحت عنوان”الاتجار في الاطفال من التشخيص الاجتماعي إلى المواجهة القانونية”.

%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9
وأرجع المستشار هاني عبد الجابر، مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان ورئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الاتجار ومنع الاتجار بالبشر، في ورقة ناقشتها الورشة، الاتجار في البشر إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصراعات المسلحة التي تعاني منها المنطقة، مضيفاً أنه “في الوقت ذاته، هناك مغالطات ومبالغات كبيرة تجاه الإتجار في البشر بمصر، وهو ما حدث مثلاً في التقرير الذي أصدرته الخارجية الأمريكية العام الماضي عن حالة الاتجار بالبشر في مصر، وأوردت فيه معلومات مغلوطة بأن مصر لا تواجه جريمة الاتجار بالبشر بتحرير محاضر ضبط بمعرفة رجال الشرطة، وأنه لا توجد قضايا لمعاقبة المتهمين في قضايا الاتجار بالبشر، وتم الرد على التقرير بمعرفة اللجنة، والذي تضمن أنه هناك عدداً ليس بالقليل من القضايا المحررة ضد متهيمن بالاتجار بالبشر، وأن البعض قدم للمحاكمات الجنائية، والبعض الأخر قيد المحاكمة، وأنه تم حصر هذه القضايا بأرقام وأسماء، أما عن ادعائهم بإن ضباط الشرطة ليس لديهم وعي بقضية الاتجار بالبشر، فقد تم اخطارهم بإن اللجنة اعدت عدة دورات تدريبية، وأنه تم تدريب اكثر من ألف ضابط شرطة على اجراءات تطبيق القانون، وأن هؤلاء الضباط يؤدون عملهم الفني على أكمل وجه”.
رسائل الطمأنة التي حاول عبد الجابر إرسالها لم تبلغ مداها، ففي الأسبوع الماضي، استيقظ المصريون على فاجعة تورط فيها أطباء ومستشفيات خاصة وسماسرة تخصصوا في الإتجار بالبشر والأعضاء البشرية.
وذكرت مذكرة صادرة عن نيابة المرج، بشرق القاهرة، أن “مستشفى السلام الدولى تحولت إلى مرتع لعصابات الإتجار بالعضاء البشرية، حيث اعترف ثلاثة من سماسرة تجارة الأعضاء البشرية ببيع الأعضاء البشرية إلى المستشفى، وأن ثمن الكلْية الواحدة 25 ألف جنيه، كما خاطبت النيابة اللجنة العليا لزراعة الأعضاء البشرية للاطلاع على ملفات الأطباء الذين يقومون بعمليات زرع الأعضاء، وقامت باستدعاء عدد من الأطباء الذين أجروا الفحوصات والتحاليل والعمليات الخاصة بالمتاجرة بألأعضاء البشرية، وقررت النيابة إحالة 5 من المجنى عليهم للطب الشرعى، لبيان قيامهم بعملية استئصال الكلى من عدمه، وإعداد تقرير حول الواقعة وإرساله إلى النيابة العامة”، مشيرة إلى أن “أفراد العصابة يستقطبون العمال من ميدان رمسيس نظير 15 ألف جنيه للفرد، بينما يتم بيعها مقابل 25 ألف جنيه للمستشفى، وأن التحقيقات انتهت إلى أن خمسة من الضحايا أقروا فى التحقيقات بأنهم اتفقوا مع المتهمين على بيع الكلى نظير 15 ألف جنيه يتسلمونها بعد إنهاء الفحوصات والتحاليل الطبية فى مستشفى السلام الدولى، للتأكد من سلامة أعضائهم من أى أمراض تمنع التبرع بأعضائهم، لكن المتهمين أعطوا لهم 10 آلاف جنيه ثم تهربوا عن سداد باقى المبلغ بعد نقل الأعضاء”.

%d8%af%d9%88%d9%83
لم تكن حادثة المرج ناقوس الخطر الأوحد على تحول مصر إلى مسرح للإتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية، ففي عام 2010، استيقظت مصر على كارثة فجرتها نقابة الأطباء المصريين آنذاك مشيرة إلى أن مصر أصبحت سوقاً رائجة لبيع الأعضاء البشرية والاتجار فيها، وأن تلك السوق تضم جنسيات متعددة من راغبي التبرع بأعضائهم، وفي القلب منهم مصريون وسودانيون واردنيون، فيما يحتل الأجانب والخليجيين نصيب ألأسد في قائمة الحاصلين على الأعضاء.
وسجلت تقارير لجنة الأطباء آنذاك اعتراف عدد ليس قليل من الشباب الأردنيين بأنهم جاءوا إلى مصر خصيصاً خصيصا للبحث عن عن العصابات الدولية المتخصصة فى بيع الكلى، بعدما فشلوا فى بيعها فى الأردن، وذلك لرخص أسعار الكلى هناك، فضلاً عن عدم وجود قانون مصري يمنع أو يجرم تبرع الأجنبى بكليته للأجنبى، ما جعلها سوقاً مفتوحة لبيع الأعضاء.
وكشفت التحقيقات آنذاك أن “رحلة الاتفاق على بيع الأعضاء تبدأ في الخارج، حيث يذهب بعض السماسرة إلى سكان مخيمات البقيع للبحث عن الأفراد الذين يعرضون أعضاءهم البشرية للبيع بسبب تردي أوضاعهم الاقتصادية، ويتم الاتفاق معهم وإرسالهم إلى مصر مستغلين صيغة”التبرع” والتي تعد كلمة المرور لأى عملية نقل أعضاء، وتتخذ كسلاح فى يد تجار الأعضاء البشرية، حيث أن أغلب تلك العمليات تتم بالبيع وليس التبرع نهائياً”.
وتشير تقارير الأمن العام إلى أن “عصابات الإتجار بأعضاء البشر وضعت أسعاراً محددة لكل عضو من الجسد، حيث يبلغ سعر القرنية نحو 15 ألف يورو، والشريان الأورطى 50 ألف يورو، وصمامات القلب أكثر من 40 ألف يورو، فيما يبلغ سعر عظام اليد والأقدام حوالي 10 آلاف يورو.
الأفارقة
على الرغم من أنه لا توجد إحصائيات موثقة لحجم تجارة البشر بين مصر وإسرائيل، إلا أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قدرت تلك الأنشطة خلال الفترة من يناير 2006 وديسمبر 2012 بحوالي 35 ألفا من الأفارقة رغم وجود السياج الحدودي بين مصر وإسرائيل الذي يمتد بطول 240 كم وارتفاع 5 أمتار.
ووفقاً للمفوضية فإن “مسار الاتجار بالأفارقة يبدأ من دارفور في غرب السودان أو مخيمات اللاجئين الإريتريين شرق السودان، حيث تقوم جماعات مختصة في تهريب البشر في السودان بتجميع الأفارقة من الراغبين في دخول إسرائيل أو الذين يتم اختطافهم من المخيمات ثم تهريبهم إلى مصر باعتبارها دولة معبر للاتجار بالبشر لإسرائيل، حيث يشير تقرير منظمة التحالف الدولي لمكافحة تجارة الأعضاء COFS الصادر في أبريل 2012 إلى أن مصر تحتل المركز الثالث عالمياً في تجارة الأعضاء غير المشروعة، ما جعلها تلقب ببرازيل الشرق الأوسط، حيث ذكر التقرير وجود 5 آلاف حالة تجارة أعضاء سنوياً عبر الأراضي المصرية، ساعد في ذلك وجود حدود واسعة بين مصر وإسرائيل والتي تشهد رواجاً غي عادي في مجال أنشطة تجارة الأعضاء، حيث تعد إسرائيل أحد أهم المراكز الدولية لاستبدال الأعضاء”.
تكشف تقارير سيادية النقاب عن تعرض المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون التسلل إلى إسرائيل إلى سقوطهم كضحايا في يد عصابات الإتجار بالبشر، مشيرة إلى أن “50% من جثث الأفارقة التي يتم العثور عليها في دروب سيناء الصحراية تكون منزوعة الأعضاء، خاصة الكبد والكلى والقرنية وأحيانا القلب، حيث يتم وضع تلك الاعضاء فى ثلاجات صغيرة بعد استخراجها فى غرفة مجهزة لانتزاع الأعضاء أو فى عربة صغيرة أشبة بعربات الإسعاف وتنقل عبر الحدود أو إلى بعض المستشفيات الاستثمارية التى سحب منها الترخيص أكثر من مرة، ويتم تهريب الأعضاء أو الأغشية المنزوعة من جسد الأفارقة عبر الحدود إلى إسرائيل، حيث تباع الكلية المهربة من مصر إلى إسرائيل بقيمة 30 ألف دولار، وتبلغ قيمة الخصية الواحدة 40 الف دولارر، و40 ألف دولا لرحم المرأة”.
هياكل عظمية
ومن بين الحالات التي ضبطتها أجهزة الأمن بشمال سيناء قيام أحد المهربين بـ”تخصيص منزل مهجور بمنطقة قريبة من قرية نخل لإجراء عمليات نزع أعضاء ضحاياه من الأفارقة الراغبين في الهجرة غير الشرعية إلى إسرائيل، حيث عثرت القوات خلال مداهمتها المكان على علب طعام وعصير، وبجوارها بقايا هياكل عظمية وجثث مضروبة العنق وأخرى فى تحلل كامل بعدا نزع من هذه الجثث كل أعضائها تقريباً”.

%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%83%d8%a8
يؤكد تقرير صادر عن منظمة الجيل الجديد، وهي جمعية اهلية غير حكومية تهتم بشؤون أوضاع اللاجئين في مصر، أن “صحاري سيناء تحولت إلى شاهد عيان على مأساة اللاجئين الأفارقة الذين تحولوا إلى ضحايا جرائم الاتجار بالبشر على أيدي بعض عصابات التهريب، وأن نسبة كبيرة منهم سقطوا ضحية للمتاجرة بالأعضاء البشرية، لتصل مصر إلى نسبة 10 % من تجارة البشر عالمياً”.
من جهته، يقول الخبير العسكري اللواء محمد الغباشي إن “ضحايا الإتجار في البشر هم الراغبين في الهجرة غير الشرعية، وهم إما اليهود الأفارقة القادمين عبر أثيوبيا، أو من خلال عناصر هاربة من جنوب السودان تريد الوصول إلي اسرائيل للعمل هناك، حيث يتم قتل كثير منهم في صحاري سيناء، وبيع أعضائهم بأسعار مرتفعة جدا سواء عبر البحر المتوسط أو براً إلى إسرائيل”.
يقول أحمد نصار، نقيب الصيادين، إن “كثيراً من عمليات بيع الأعضاء تتم على سطح مراكب للهجرة غير الشرعية، بعد إقناع الشباب بالهجرة إلى إيطاليا، حيث تخرج هذه الرحلات من البرلس ومطروح، ويتم إقناع الشباب بأن الوجهة الأولى ستكون من مصر إلى تونس أو ليبيا، ومن ثم يتوجهون إلى إيطاليا وهو ما لا يحدث، إذ تتم عملياً سرقة أعضائهم وإلقائهم فى البحر ليصبحوا ضمن عداد المفقودين، وهذه المافيا الإجرامية هى مافيا دولية تعتمد فى الأساس على أطباء ممن باعوا أنفسهم للشيطا، حيث يقومون بتلك العمليات معتمدين فى ذلك على وجودهم فى المياه الدولية، ومن ثم يتاح لهم القيام بتلك العمليات بعيداً عن أعين الأمن، وتعتمد كفاءة الأعضاء التى يتم الحصول عليها على سن صاحبها، سواء كان متبرعاًُ بها برغبته الخاصة بحثاً عن المال، أو تم قتله والحصول عليها بعد وفاته، فضلاً عن مدى الضمور أو تلف بعض الأنسجة بداخله، وهناك شروط خاصة للاحتفاظ بكل عضو من حيث درجات الحرارة والبيئة الفيزيقية المحيطة به، فيما تعتبر قرنية العين أكثر الأعضاء عرضة للتلف، حيث يتجمد السائل الحافظ لها فى مدى لا تزيد على ساعتين، إن لم تتم زراعتها للشخص الجديد، كذلك فإن أكثر الأعضاء القابلة للحفظ هو القلب، ويمكن أن ينقل لشخص آخر خلال 8 ساعات بشرط حفظه فى بيئة معينة”.
عمليات عكسية
لم تتوقف عمليات البيع عند إجرئاها داخل الحدود المصرية، ففي حالات كثيرة تسير عقارب الساعة بالعكس، بحيث تكون مصر مسرحاً للاتفاق على التجارة في ألأعضاء البشرية، فيما يتم إجراء عملية بيع الأعضاء في بلدان أخرى لضمان سلامة العضو الجسدي المباع، حيث يقول أحمد بوكاندي إن “شقيقه تبرع تورط فى بيع كليته لرجل أعمال خليجى كان يعمل وقتها فى دولة عربية، لكنه أنهى أعماله واختفى بعد إجراء العملية، بعد أن دفع لشقيقه مبلغ 50 ألف جنيه وهو المتفق عليه فيما بينهم، مضيفاً أن حالة شقيقه الصحية ساءت وتوفى فى بلدته بإحدى ضواحى محافظة الجيزة فى صمت تام، دون أن يعلم أحد شيئاً عن قصته سوى عائلته”.
يحكي السيد جمعة قصة أحد جيرانه والذي سافر إلى ليبيا نهاية عام 2012، وعاد إلى بلدته بالجيزة بجنوب القاهرة منتصف 2013، لكن جثمانه كان فارغ المحتويات من الداخل بعد أن تم تفريغه تقريباً من الكبد والبنكرياس، والشريان الأورطى، الأمر الذى صدم أهله فى البداية بسبب كثرة التشوهات التى وجدوها فى جسده قبل دفنه، إلا أنهم لم يتحدثوا أو يبلغوا عن الحادث خشية تشريح الجثة، وعرفوا بعدها من أصدقاء ابنهم فى العمل فى ليبيا أنه كان ضمن عمال البناء، واختفى فجأة من سكنه الجماعى الذى كان يقطنه بصحبة 4 من الرجال من جنسيات مختلفة، ولا يعرفون إلى الآن هل أعضاء ابنهم تم بيعها أم سرقتها منه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*