محمد نور الدين :تصريحات الوزير والفرق بين دور الدولة ودور الشركة

13925098_10153630068791533_4444002061567333948_n

فاجأنا وزير الصحة بتصريح غريب لم يكن مضطرا  للإدلاء به. كان يكفيه أن يحاول إقناع لجنة الصحة بمجلس النواب بان مهمته الأساسية هي خصخصة قطاع الصحة ووضع القيود على تقديم الرعاية الصحية للفقراء وتحويل المستشفيات والمراكز الصحية المملوكة للدولة إلى شركات خاصة مملوكة للأجانب ولرأس المال المحلي.. ولكنه انتهز الفرصة ليهاجم النظام الصحي   الذي نشأ في الستينات وكان يقدم خدماته بالمجان أو بتكلفة رخيصة لغالبية الشعب لدرجة اعتبرته منظمة الصحة العالمية من أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم .

 

وبذلك يكون الوزير قد خلط ببساطة بين دور  ” الدولة ” ودور ” الشركة “. ويكون هذا الخلط هو السبب الأساسي الذي نتج عنه هذا الكلام غير المسئول والذي عزا مشاكل نظام العلاج الطبي في مصر لعبد الناصر والنظام الذي أنشاه في الستينات.. والواقع أن هناك فروقا كبيرة بين دور الدولة ودور الشركات التي اعتاد الوزير إدارتها وتحقيق أرباح من أنشطتها. ولا يمكن ببساطه أن تتحول مصر كلها إلى شركات تذوب فيها أدوار الدولة كما نعرفها..

 

والواضح أن اختيار كبار المسئولين في الدولة من العاملين بالقطاع الخاص يتطلب إعداد دورات تدريبه لهم ليعرفوا ليس فقط كيف يدلون بتصريحات سياسية ولكن لكي لا يقعوا في أخطاء كبيرة.والعيب طبعا في نظامنا التعليمي الذي الغي التاريخ والمواد القومية وأنشأ جيلا لا يعرف إلا قيم الربح وتجميع المال بأية طريقه.

 

كان يجب على مسئول ما في الدولة ” العميقة ” أن يقول للوزير.. ولكل الوزراء وكبار المسئولين أن الدولة هي كيان سياسي  اتفق الناس على إنشائه ليقوم بأدوار محددة من أجل صالحهم المشترك وإشباع احتياجاتهم العامة والمشتركة  وأنهم تنازلوا لهذا الكيان عن بعض سلطاتهم وامتيازاتهم  الشخصية من اجل أن تكون له السيادة العامة عليهم  ولكن شرعيته تتوقف على قيامه ونجاحه في تحقيق الأهداف التي  تمسهم جميعا بطريقة تكفل لهم حياة كريمة ومستقرة .. هذه الشرعية  ينظمها الدستور الذي توافقنا عليه في 2014

 

ولتحقيق المصالح المشتركة تقوم الدولة بحصر الحاجات العامة للمجتمع، أي الحاجات التي تتعلق بجميع آو بغالبية السكان، ثم تقوم بدراسة كيفية إشباع هذه الحاجات ثم تبحث في مرحلة تاليه عن كيفية تدبير التمويل اللازم لإشباعها.  وهكذا نشأت الموازنة العامة للدولة  كأداة فنية  تستخدمها الحكومة لحصر الحاجات العامة واجبة الإنفاق عليها لإشباعها   أولا  ثم تقوم بتدبير الإيرادات العامة  اللازمة لتمويل الإنفاق عليها ثانيا.أي أن الأصل أن نحدد الحاجات وبنود الإنفاق ثم نبحث عن التمويل.. وليس العكس…

 

ويتعلم طلبة كليات الاقتصاد والتجارة والحقوق والآداب  أن الحاجات العامة لا تتحدد مرة واحدة وتظل ثابتة إلى الأبد، ولكن نطاقها  يتطور ويتوسع دائما مع تطور المجتمع والفكر السياسي والاجتماعي . وهكذا نلاحظ دائما توسيع نطاق هذه الحاجات من ناحية وتوسيع دوائر المستفيدين منها من ناحية أخرى. فقد كانت الحاجات العامة المشتركة  تقتصر في البداية على توفير  الأمن الداخلي  والدفاع  عن حدود الدولة ضد غزوات الأجانب وتحقيق العدالة بين المقيمين على ارض الدولة حين يختلفون ، بحيث يتوفر المناخ الآمن  لضمان  الحرية والطمأنينة ومن ثم القدرة على العمل والإنتاج والتنقل.

 

ومع الوقت اكتشف المجتمع  أن هناك حاجات أخرى يكون من الأنسب تقديمها بشكل جماعي عن طريق الدولة ، فاتسع نطاق الحاجات العامة ليشمل توفير الطرق  ووسائل الاتصال والمرافق العامة من مياه وكهرباء وغاز ، ثم امتد ليشمل حد ادني من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية. الفكرة هنا ليست من قبيل الرومانسية ولا النوازع الإنسانية ولكن  الفكرة أن الدولة ( أي عموم الشعب ) وجدت أنه من الأفضل من وجهة نظر المجتمع ككل أن تصبح مسئولا مسئولية مباشرة عن ضمان   تجدد قدرة السكان على العمل و الإنتاج واستغلال الطاقات المتاحة في المجتمع وهو هدف تزداد أهميته  في دولة تحتاج لاستجماع قواها من أجل التنمية.

 

والملاحظ لكل مطلع هو اتساع نطاق هذه الخدمات من عام لأخر في كافة المجتمعات خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. والملفت للنظر أن هذا التوسع يتم في كل دول العالم بما في ذلك   الدول الرأسمالية العاتية التي تدرك  طبقاتها الحاكمة الواعية أن الدولة لابد وأن يكون لها دور نشط في كفالة حصول الأفراد مجانا أو بتكلفة بسيطة على خدمات يتسع نطاقها لتأمين استمرار النظام في مجمله وفي القلب من هذه الخدمات.. الرعاية الصحية.

 

ومع هذا  التطور العالمي  فان المواثيق والعهود والاتفاقات  الدولية لحقوق الإنسان أخذت  تنص بوضوح وبما لا يدع مجالا للشك على مسئولية كل دولة عن إشباع الاحتياجات الأساسية لمواطنيها من صحة وتعليم وخلافه ، وذلك بغض النظر عن مستويات دخول السكان ومستواهم الاجتماعي  وبغض النظر عن ثراء الدولة آو فقرها.

 

أما في مصر فقد  تخلت الحكومة خلال السنوات الماضية وبالتدريج  عن دور استمرت في  القيام به –  ربما من ثلاثينيات القرن الماضي – في توفير خدمات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية لمحدودي الدخل, ، بحجج أهمها ضعف الموارد ،وكان شقها الثاني هو إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للتوسع في تقديم هذه الخدمات في إطار عمليات الخصخصة . وقد كان ذلك كله في الواقع معبرا عن انسحاب الدولة وتقليص دورها في  توفير الخدمات العامة ، مما أدي إلى انهيار حقيقي في خدمات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وفي كثير من المرافق العامة .

 

وقد تعددت محاولات خصخصة قطاع الرعاية الصحية في مصر خلال السنوات الماضية رغم ما كان متصورا  من أن انفجار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية  في 25 يناير قد خلق توازنات جديدة وأن الحكومات المتعاقبة سوف  تسعى إلى تحقيق أهداف هذه الثورة  في الحرية والعيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وما يعنيه ذلك من التخفيف عن كاهل غالبية أفراد الشعب الذين لم تعد دخولهم تسمح بالحياة الكريمة واللائقة.

 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي هو البحث عن السبب  غير المعلن    لهجوم الوزير على نظام العلاج الطبي القائم ، هل هي الرغبة في تحسين الخدمات الطبية التي تحصل عليها الجماهير العريضة  أم اتخاذ هذا النقد كذريعة لدفع  سياسة خصخصة الرعاية الصحية في مصر والإطاحة بحقوق الفقراء في العلاج بتكاليف قليلة وتسليمهم لشركات التامين الصحي والمستشفيات الخاصة  ؟  ما الذي نصدقه من كلام الوزير وسياساته.. هل يمكن أن يصدر تحت قيادته وفي ظل تصوره للخدمة الصحية  قانون  للتأمين الصحي يخدم الجماهير خدمة  حقيقية  أم  قانون يخدم أساسا الشركات الصحية والمستشفيات الاستثمارية ويرمي بهموم المرضى الفقراء بين براثن رأس المال الخاص المحلي والأجنبي ليحصل على العلاج من يملك ثمنه ويموت من لا يملك إلا ثمن كفنه.

 

23 مارس 2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*