محمد نور الدين : ارتفاع الدين الخارجي : مخاطر وتهديدات

13925098_10153630068791533_4444002061567333948_n

يمكن القول دون مغالاه أن الحكومة المصرية تستهدف فعلا زيادة الدين الخارجي وأن هذا هو أحد ألأهداف التي تخطط لها بعد أن توقفت عن التخطيط في مجال الإنتاج .

فقد كان الاقتراض الخارجي هو احد أسباب اللجوء للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث تكفل شهادة حسن السير والسلوك التي يمنحها للحكومة ثقة المقرضين وبيوت الخبرة الأجنبية. ومن الناحية الموضوعية فقد كانت مؤشرات الدين الخارجي لمصر مقبولة خلال السنوات الأخيرة وليس فيها ما يمنع نظريا من قبول قدر من القروض الخارجية الجديدة ما دامت سوف تضيف طاقات جديدة إلى قدراتنا الإنتاجية الزراعية والصناعية وما دامت سوف تؤدي إلى زيادة إمكانيات الاقتصاد المصري وقدرته على النمو وعلى تحقيق زيادة في الإنتاج تقلل الواردات من ناحية و يمكن توجيه بعضها للتصدير من ناحية أخرى .

ووفق هذا التصور النظري أو الاحتمالي كان يمكن أن يتم سداد أقساط وفوائد هذه الديون من حصيلة النقد الأجنبي الجديدة المتحققة من نمو وتطور أنشطة اقتصادية حقيقية داخل البلاد وتحت سيطرتها و بدون إلقاء ضغوط جديدة على موارد النقد الأجنبي. إلا أنه قد أصبح من الواضح أن الحكومة المصرية تبالغ في هذا الاتجاه بدعوى محاولة تخفيض مخصصات فوائد الدين العام في الموازنة العامة عن طريق الاستفادة من فرق سعر الفائدة على القروض بالعملات الأجنبية ( وهي فائدة منخفضة نسبيا لانخفاض معدلات التضخم في أمريكا والغرب ) والفائدة على القروض التي تحصل عليها بالجنيه المصري والتي أصبحت أكثر ارتفاعا بعد الاتفاق مع الصندوق وتدور حول 19 % تقريبا.

وبدلا من البحث عن موارد جديدة من الضرائب التصاعدية وضريبة الأرباح الرأسمالية التي يطالب صندوق النقد الدولي نفسه بإتباعها، فان الحكومة تقرر التوسع في الاقتراض خاصة من الخارج. ويتعين الإشارة في البداية إلى أن الدين الخارجي على مصر ليس كله دينا على الحكومة، فهناك إلى جانب مديونية الحكومة قروض تحصل عليها السلطات النقدية والبنوك العاملة في مصر، وقروض يحصل عليها القطاع الخاص من الخارج مباشرة.

ورغم هذا التنوع في طبيعة المدينين تجاه الخارج، فإنها جميعها تلقي بعبئها في النهاية على ميزان المدفوعات متمثلا في الأقساط والفوائد التي يجب أن تسدد في مواعيدها للدائنين المتنوعين ما بين منظمات دولية وإقليمية ( ديون رسمية ) وبنوك ومؤسسات ( ديون تجارية ).

وتوضح الأرقام أن الدين الخارجي للحكومة نفسها ارتفع خلال الربع الأخير من 2016 بنحو اثنين مليار دولار ليبلغ 26 مليارا بما يمثل حوالي 40 % من الدين الخارجي ككل ، على حين يتمثل الجزء الأكبر من الدين الخارجي لمصر في الديون المستحقة على البنك المركزي (30 مليار دولار ) والبنوك الأخرى ( 4 مليار) وفي ديون القطاع الخاص ( 5ر7 مليار ) .

وهنا يتعين الإشارة إلى أن الملفت للنظر والاهتمام فعلا هو الزيادة الكبيرة للغاية في رقم الديون الخارجية للبنك المركزي باعتباره السلطة النقدية للبلاد. فالبنك المركزي المصري حصل على شرائح من قروض الصندوق والبنك الدوليين وغيرهما من المؤسسات الدولية والإقليمية وارتفعت بالتالي مديونيته بنحو 6ر4 مليار دولار ما بين أكتوبر وديسمبر 2016 ، وكما هو معروف فان هذه القروض لم توجه للاستثمار في داخل البلاد لتدعيم قدراتنا الإنتاجية وإنما تم استخدامها في تدعيم الاحتياطيات النقدية لتصل قيمتها إلى 3ر24 مليار دولار في آخر ديسمبر ثم إلى 4ر26 في يناير 2017 .. هذه الاحتياطيات التي تفخر حكومتنا بارتفاع مستواها منذ توقيع الاتفاق مع الصندوق يعاد توظيفها خارج مصر وبأسعار فائدة تقل عن أسعار الفائدة التي تم الاقتراض بها .

ورغم أن المهمة الأساسية لهذه الاحتياطيات هي أن تكون ” احتياطي ” يتم استخدامه لتمويل الواردات الضرورية عند الأزمات، فان مهمتها تحولت في ظل الاتفاق مع الصندوق لتكون ضمانا للمقترضين والمستثمرين الأجانب .. يعني” فلوسكم جاهزة ومحجوزة على جنب أي وقت تعوزوها هتلاقوها .. وهتلاقوها في بنوككم كمان ومش عندنا في مصر “.

والى جانب ذلك لوحظ تشجيع الحكومة المستمر للقطاع الخاص على البحث عن تمويل وقروض خارجية حتى قبل الاتفاق مع الصندوق، وطبيعي انه مع شهادة حسن السير والسلوك التي منحها الصندوق ورغبة الأجانب في إقراض مصر بشتى الطرق ، نشطت أيضا رغبة القطاع الخاص في الاقتراض من الخارج للاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة على العملات الأجنبية وتحسن الشروط التي يقترض بها من الخارج. إلا أن ذلك سوف يلقي بالطبع عبئا على موارد مصر من النقد الأجنبي حين يأتي موعد سداد الأقساط والفوائد على هذه الديون.

النقطة الثانية الجديرة بالاهتمام هي أن هيكل الدين الخارجي لمصر شهد زيادة كبيرة للغاية نسبتها 50 % في حجم الديون قصيرة الأجل خلال 3 شهور فقط بحيث أصبحت قيمتها 12 ملياردولار وهو رقم يمثل 18 % من إجمالي ديون مصر الخارجية ويعادل بمفرده حوالي 49 % من احتياطيات مصر الدولية.. ويتوافق ارتفاع الديون قصيرة الأجل مع ما سبقت الإشارة اليه من توسع السلطة النقدية والبنوك والقطاع الخاص في الاقتراض من الخارج من جهات مختلفة.

ومن المعروف أن الديون قصيرة الأجل هي التي تكون بالفعل مصدرا كبيرا للخطورة حين ترتفع نسبتها في الدين الخارجي لأية دولة خاصة مع عدم ضمان تدفق موارد أصيلة من حصيلة الصادرات السلعية والخدمية تكفل السداد في مواعيده.ومن المعروف أيضا أن احتياطياتنا الدولية استنزفت في 2011 لسداد مثل هذه التدفقات قصيرة الأجل والتي توصف عادة بأنها أموال ساخنة .. غير مستقرة.. من المعروف أيضا ان هذا النوع من الديون هو سبب مشكلة اليونان طوال السنوات الاخيرة وهي المشكلة التي فرض عليها صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوربي حلها عن طريق بيع بنوكها وشركاتها للأجانب.

ارتفاع الدين الخارجي يعني في كل الحالات عبئا على الأجيال القادمة، لذا يتعين عدم المبالغة فيه مهما كانت الشروط مواتية، ومهما كان عبء خدمته يضعه في الحدود الآمنة بالمعايير المتعارف عليها دوليا.. علينا أن نستعيد تجربة ارتفاع ديوننا الخارجية في أواخر القرن التاسع عشر وما أدت إليه.. وتجربة ارتفاع ديوننا الخارجية في الثمانينات وما أدت إليه .. في الحالتين تم بيع أصولنا الوطنية لسداد الديون…تجربة نرجو ألا تتكرر مرة أخرى في القرن 21. 10 مايو 2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*