طه النعمان : غندور في القاهرة وصاحب العقل يميز

نعمان

 

شكراً للأخ أمين حسن عمر ، فقد أهدانا باتهامه «الاستباقي» ذاك عنوانا طريفا لهذه الاضاءة .. حينما صرح وهو في طريق عودته بعد لقاء ممثلي الحركات الدارفورية المسلحة في ألمانيا ، وفور وقوع الصدام المسلح الأخير في شرق دار فور وشمالها .. قال أمين في ندوة ،عندما سئل عن الإستيلاء على عربات مدرعة من صناعة مصرية ضمن عتاد المهاجمين ، الذين قدم بعضهم من ليبيا والبعض الآخر من جنوب السودان قال: إن مصر ستقول إنها قدمت سلاحا كدعم لخليفة حبتر وانها لا تعلم كيف تسرب ذلك السلاح .. و»صاحب العقل يميز» .
* فــ»صاحب العقل يميز» هذه .. هي اتهام (مسبق) ، ارتدى ثوب التشكيك في كل ما قد يصدر من الطرف الآخر من تبرير او تفسير لتسرب هذه الاسلحة من الجهة الممنوحة (الأصل) الى تلك الحركات .. وقد يكون مقبولا ضمن هذا (التمييز العقلاني) ان تشترط الجهة المانحة (مصر) على الجهة المستقبِلة (شراء او منحة) أن لا تنتقل هذه المعدات او تتسرب لجهة ثالثة .. وهذا يحدث في الصفقات بين الدول الكبرى والدول الأخرى المشترية او الممنوحة ، لكن السيد أمين لم يُدرج هذا ضمن حجته التي استدعى لها اصحاب «العقول النيرة « ..و حسبنا من كل هذا هو طرافة الاستخدام لتعبير دارج لدى اهل مصر والسودان لجأ اليه امين للغمز من قناة إخوته في شمال الوادي .. وكانه يقول لهم لا تبرير لما حدث مهما كانت الاعذار .. أو بلغة الشارع العام (سيك سيك معلق فيك) .
* لكن ، وكانما سبقت الاشارة في اكثر من (اضاءة) ، إلى ان العلاقات السودانية المصرية ، مهما أصابها من توتر ومن مكدرات ومعكرات ، لابد ان تعقبها حالة او موجه هدوء وصفاء ، تماما كأي خناقة او مشكلة داخل العائلة الواحدة .. ليس بدافع الحب و (الريدة الشديدة) ، ولكن لأن الجغرافيا والتاريخ وضعا البلدين جوار بعضهما على ضفتي النيل العظيم تماما مع تداخل اجتماعي وإنساني معلوم من هنا وهناك .. بل أكثر من ذلك عرف السودان في آخر حقبه الاستعمارية بانه (السودان الانجليزي المصري) ضمن السودانات الممتدة من البحر الاحمر الي الصحراء وشواطئ المتوسط .
لكن الغريب ان هذا التعريف الذي يصنف مصر شريكا للبريطانين في استعمار السودان ، لم يكن ليجعل السودانين يتبنون مضمون (العنوان – الشراكة) بل ذهبوا للتعاون مع اخوانهم المصريين، وليس (السلطة الخديوية) الحاكمة، من اجل تحرير البلدين والعمل على قيام دولة قوية كبرى متحدة على هذا الوداي الكبير ،ولهذا كان شعار (الكفاح المشترك) الذي تبنته العديد من الأحزاب والقوى السياسية السودانية ، وحتى مَن قدم مبدأ (الاستقلال التام) على وحدة وادي النيل كحزب الأمة لم يكن لديه مانع من قيام علاقات جوار حسن وصداقة خاصة ومنتجة مع مصر باعتبارها الدولة الشقيقة الأولى .
* واذا ما انتقلنا من هذا المنظور الجغرافي – التاريخي ، الذي يطول الحديث فيه ربما الي ما لا نهاية .. الي الوقائع الراهنة والملحة .. والتي تنطوي على مشكلات ، هي بمثابة كوابح (فرامل) للانطلاق نحو سياسات واقعية وذكية ومنتجة في اطار هذه العلاقة التي لا خيار فيها الا لاستمرار ما فرضه الله على الطرفين من حيث الجغرافيا والتاريخ .. أهم هذه الوقائع الملموسة والمعلنة هي رغبة البلدين – لنقرا النظامين – في التعاون والاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا الواقع (الجيوسياسي) .. وهذا ما جعل الخرطوم تتحفظ في إدانه الاطاحة بحكومة الإخوان عبر الهبة الشعبية في 30 يونيو 2013 والاجراءات العسكرية التي ساندتها في 3 يوليو بقيادة وزير الدفاع -حينها- عبد الفتاح السيسي بل ذهبت أكثر من ذلك إلى مد جسور التعاون وتشكيل اللجان السياسية الوزارية وترفيعها في وقت لاحق لتصبح على أعلى مستوى برئاسة الرئيسين المصري والسوداني .
* في قلب كل هذا الحراك ، المستند على مبدأ (عدم التدخل في الشؤون الداخلية) تكمن مشكلة غير مرئية ، او يتم تجاهلها عمداً (الي ان يقضي الله أمراً كان مفعولا) وهي أن قاعدة النظام الحاكم في السودان باعتراف الجميع هي (قاعدة إخوانية) بتنظيماتها السياسية (حركة إسلامية + حزب وطني + تحالفات أصولية – سلفية أو مصلحية) .. فهذه القوى التي تشكل قاعدة النظام ، والتي كانت تمثل عقله وقيادته المطلقة في أوقات سابقة ، لابد أنها غاضبة من النظام الجديد في مصر بقيادة السيسي الذي اطاح بظام الإخوان والرئيس محمد مرسي ، الذي كان استمراره وتمكينه في الدولة المصرية يعني الكثير بالنسبة (للمشروع الحضاري) الذي تبنته الحركة في السودان .. كان يعني قيام أكبر تجمع لقوى اسلامية قد تتوحد او تعتمد نظاما فيدرالياً او كونفدرالياً .. قوى تتبنى ذات الفكر والنهج السياسي وأساليب العمل اليومي ، بما ينبئ بتغيير جذري في المنطقة العربية والعالم الاسلامي بمجمله .. وقد اجهضت الهبة الشعبية وانحياز الجيش المصري بقيادة السيسي لها هذا (المشروع المنتظر) .
* فماذا يمكن لأي مراقب ان ينتظر من جماعة تسربت من بين يديها كل تلك الاحلام الوردية غير الغضب والكيد على من تسبب في ذلك الضياع ، سواء كانت القوى الشعبية والشبابية المصرية التي نظمت (حركة تمرد) والاتفاضة أو القيادة العسكرية التي دعمت ذلك التحرك الشعبي في اللحظة الحاسمة خشية سيادة الفوضى والاضطراب على ذلك النحو الذي تشهده العديد من البلدان في أعقاب ثورات الربيع العربي ..
*باختصار ، فان الازمات التي تشهدها العلاقات المصرية السودانية من وقت لآخر هي من قبيل المشكلات المقدور على حلها والتي يمكن السيطرة عليها .. لكن أسوأ ما فيها هي انها تعرقل او تجمد حركة النمو المنتجة والفعالة والمرجوة في علاقة البلدين .. وأكثر ما يلفت في هذا الحراك ، هو ان القائمين على الأمر ومتخذي القرار في أعلى مراتبهم ومستوياتهم السيادية مدركين لحقائق الوضع القائم تماما ، ويعرفون ان من حولهم و من تحتهم قوى جُبلت على عداء مصر والمصريين الوطنيين منذ عهد الزعيم الراحل عبد الناصر ، وانهم لن يوفروا فرصة لتعكير هذه العلاقات ، بل تدويرها ، اذا امكن .. لكن لا يفوت على المراقب ان من هم في سدة الحكم يدركون أيضا أن بقاءهم واستمرارهم رهين بعلاقة هادئة وودية مع مصر ان لم تكن فعالة ومثمرة من وجهة نظر موضوعية ..
* لذلك ، وبرغم كل شئ ، فان الدكتور ابراهيم غندور سيتوجه اليوم (امس) الي قاهرة المعز ، للقاء رصيفه سامح شكري ، والمضي باعمال لجنة التشاور السياسي الي الأمام .. برغم كل الذي يقال والحملات الشعواء.. فغندور في القاهرة و (صاحب العقل يميز).
آخر لحظة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*